كتاب وأراء

كيف تتوتر العلاقات العربية في عشر خطوات؟

لم تكن أزمة الخليج الراهنة أولى الأزمات العربية ولن تكون آخرها. ومع أن كل أزمة تتيح فرصة للتعلم من أجل تفادي وقوع أزمات مشابهة إلا أن التاريخ يؤكد أن ما من أزمة تنتهي إلا وتفتح باباً لأزمات جديدة. فالعرب قد يحلحلون ما بينهم من عقد لكنهم لا يحلونها. يتقنون العلاج بالمسكنات ولا يبرعون في الجراحات. وبرغم التعلق بحبال الأمل في أن نكون أمام آخر الأزمات العربية، إلا أن السياسة لا تعرف نهايات خاصةً لو كان السياق الاستراتيجي في منطقة كمنطقتنا منتج بطبيعته للأزمات.
وإذا كان بالإمكان استقاء دروس من تاريخ الأزمات العربية فلن تكون أهم من فهم الطريقة التي تنفجر وتكبر بها. وفيما يلي عشر خطوات تتوتر خلالها العلاقات العربية لتصل إلى مستوى الأزمة. وينطبق ذلك سواء على الأزمة الخليجية الأخيرة أو على أزمات سابقة مثل غزو الكويت 1991 والقطيعة مع مصر 1977 وغيرها.
الخطوة الأولى: الصمت المسكون بالكيد. وتلك سمة للمجتمعات البطيئة التي لا تستبق الأزمات وإنما تنتظر وقوعها وتؤجل فقط انفجارها. الصمت على الطريقة العربية مثلاً هو الذي ترك مخاوف الكويت من العراق بلا حل من ستينيات القرن الماضي إلى أن انفجرت أزمة الغزو في 1991. وتأجيل الحوار مع قطر منذ 1995 هو الذي قاد إلى أزمة الحصار في 2017. وعدم الاستباق العربي أمر كارثي لأنه يترك حل الخلافات للصراخ الإعلامي ويعبر عن عدم الاستعداد للمصارحة العقلانية التي هي أساس نزع فتيل الأزمة قبل وقوعها.
الخطوة الثانية: تكوين وعي رافض للاختلاف تعززه ثقافة ترفض التنوع في الرأي وتحجر التعددية والتباين في وجهات النظر. ثقافة سياسية أحادية تصور الرأي المخالف على أنه تهديد. يعمق من ذلك هشاشة المؤسسات التي تترك الساسة بلا قيود تحد من المبالغة في تجسيم الخطر ودون تصور ثاقب للتداعيات المترتبة على عدم قبول التنوع.
الخطوة الثالثة: النزوات السياسية وهي نتيجة طبيعية لضعف المؤسسات وبها يتصور البعض أن مهمته في غزو دولة أو شن حملة عسكرية أو فرض حصار أمر يمكن إنجازه في ساعات أو أيام لفرض ما يجري تصويره بالنفاق على أنها مهمة أخلاقية ورؤية ثاقبة لمصلحة الأمة جمعاء.
الخطوة الرابعة: الشحن والتراكم بنقل التوتر إلى مؤسسات الدول المختلفة مع بعضها وبخاصة وزارات الخارجية والإعلام والاقتصاد لتبدأ مرحلة من التصعيد تشهد على سبيل المثال سحباً للسفراء أو تخفيضاً لمستوى التمثيل الدبلوماسي أو شن حملات إعلامية سواء للتحذير أو للتظاهر بالقوة.
الخطوة الخامسة: الاشتباك الإعلامي عندما تتحول المناوشات الإعلامية الأولية إلى حرب كاملة تُستعمل فيها كل أسلحة الطعن والتشويه وتخرج خلالها ترسانات من الكتاب والإعلاميين مدفوعي الأجر إلى قلب المعركة وهو الاشتباك الذي يمهد لجر المجتمعات لاحقاً إلى قلب الأزمة.
الخطوة السادسة: بناء المحاور بتوسيع دائرة الخلاف وتكوين ثنائية أو معسكرين يضم كل منهما أطراف تجمعها وحدة المصلحة والاحساس بالتهديد.
الخطوة السابعة: المباغتة الاستراتيجية: وهي قمة الأزمة عندما يصل الاختلاف إلى نقطة مفصلية إما بشن غزو أو تدبير انقلاب أو فرض حصار أو تخطيط أعمال عنف داخلية أو مناكفة ملحوظة لرعايا البلد المختلف معه.
الخطوة الثامنة: القطيعة والتصعيد بإغلاق قنوات الاتصال ورفض الحوار واللجوء بدلاً من ذلك إلى الدعايات المضادة والإعلان عن فرض الشروط ورفض التسوية بل ورفض الوساطات الساعية لحل الأزمة أيضاً.
الخطوة التاسعة: الاشتباك المجتمعي وبها تنتقل الأزمة من الساسة والمسؤولين إلى الأفراد والمجتمع بأسره عندما تُفرض قيود على دخول رعايا الدولة المختلف معها أو يُطرد رعايا بلد يقيمون على ارض بلد آخر، هذا بجانب الاشتباك الصاخب الذي وفرته وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة بين أفراد غير مدربين على الخوض أصلاً في غمار السياسة لكنهم يجدون أنفسهم فجأة في قلب نيرانها.
الخطوة العاشرة: التدويل عندما يتضح تأثير الأزمات العربية على مصالح وحسابات القوى الإقليمية والعالمية ما يدفعها إلى التدخل في الأزمة إما احتواءً أو تصعيداً. ويساعد رفض العرب للحوار المباشر فيما بينهم كثيراً في وقوع هذا التدويل بسبب حاجتهم إلى وسطاء أغراب إما لكي يعوضوا نقص الوساطات العربية أو لكي يكملوها.
وهذه الخطوات العشر لا تجري دائماً وفق هذا الترتيب وإنما قد تتقدم واحدة منها على الأخرى. لكنها عادةً ما تنتهي بمرحلة من التنفيس والتراجع الذي غالباً ما يكون تكتيكياً وليس استراتيجياً ليبدأ من رحم الأزمة القديمة أزمات أخرى جديدة تدل على أن العقلية السياسية العربية تبقى هي الأزمة الأكبر لأنها مسكونة بمفهوم تسكين المشكلات وليس حسمها.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات