كتاب وأراء

المقدسيون انتصـروا

عدد سكان العالم العربي ثلاثمائة واثنان وتسعون مليون نسمة في اثنتين وعشرين دولة، وعدد سكان العالم الإسلامي مليار وستمائة وعشرون مليون مسلم أي ما نسبتهم 32 % من عدد سكان العالم معظمهم من مواطني سبع وخمسين دولة هو عدد الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، ومما يبعث على الأسى أن هؤلاء جميعا عاجزون عن تحرير فلسطين والمسجد الأقصى من أيدي حوالي سبعة ملايين صهيوني هو عدد سكان الكيان الإسرائيلي!.
نقول هذا الكلام على خلفية الأحداث التي جرت مؤخرا للمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، دون أن يكون للمسلمين والعرب إجراء فعلي أو عملي يكبح جماح إسرائيل ويتصدى لنوازع الشر الصهيونية، بل تركوا المسجد الأقصى والمرابطين حوله من المقدسيين في مواجهة الجيش والشرطة الإسرائيلية بعددهما وعتادهما، فهل يعقل أن ينتظر المليار والستمائة وعشرون مليون مسلم الطير الأبابيل تأتي لتحرر لهم فلسطين وتخلص المسجد الأقصى من براثن الصهيونية؟.
كان جميع المواطنين في العالمين العربي والإسلامي على يقين أن الدول التي اجتمعت في الظلام ليلا وقررت فرض الحصار الجائر على قطر بدعوى اتهامات باطلة سوف تقرر على الفور مقاطعة إسرائيل كأقل إجراء يمكن أن يتخذ ضدها لتكف عن الأقصى شرها، ولكن خاب ظنهم، ودعوني أُعِد عليكم ما قاله الدكتور مصطفى البرغوثي عضو المجلس التشريعي الفلسطيني والأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، قال الرجل: «نشكر كل من تضامن معنا، لكن كنا نتوقع أكثر من هذا، كنا ننتظر عقوبات عربية وإسلامية تفرض على إسرائيل، كنا نطمع في قطع علاقات، كنا ننتظر من الجامعة العربية أن تجتمع في وقت مبكر وتتخذ إجراءات، وفيما يتعلق بمواقف الشعوب العربية والإسلامية فإنها مكبلة وتفعل ما تستطيع في ظل أوضاعها الحالية».
كان هذا ما ينتظره الفلسطينيون ومعهم الشعوب العربية والإسلامية أن تفعله الدول التي تحاصر قطر ضد إسرائيل، ولكن خاب الظن فيهم كالعادة، ونزل عليهم صمت مطبق فلم يجرؤوا حتى على الشجب والرفض والاستنكار إلا بعد أن ندد واستنكر «تميم المجد» حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في خطاب الثبات والسيادة والكرامة بجرائم إسرائيل ووجه التحية للمقاومين والمدافعين عن الأقصى، وكرر تضامن دولة قطر مع شعب فلسطين والمسجد الأقصى المبارك على الرغم من الحصار وإجراءات دول «الأشقاء» ضد قطر وشعبها، فقال سموه: «ولا يسعني أن أنهي هذه الكلمة دون أن أعبر عن التضامن مع الشعب الفلسطيني الشقيق ولاسيما أهلنا في القدس، واستنكار إغلاق المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، عسى أن يكون ما تتعرض له القدس حافزا للوحدة والتضامن بدلا من الانقسام»، فبعد هذا الموقف أخذت تخرج عبارات الشجب الهزيلة والمحسوبة من الدول التي تحاصر قطر ذرا للرماد في العيون والإبقاء عبثا على ماء الوجه.
بالنسبة لي ولكثيرين غيري لم يكن موقف دول الحصار المتقاعس من إسرائيل مفاجأة بل كان متوقعا، ذلك لأن من أسباب فرض حصارها وهجومها على قطر دعم قطر للشعب الفلسطيني، معتبرين حماس حركة إرهابية مع أننا لم نسمع أبدا أن قامت حماس في يوم من الأيام بأية عمليات خارج فلسطين المحتلة أو ضد طرف غير المحتل الغاصب للأرض المعتدي على العرض، ومع أن قطر أكدت رسميا مرارا وتكرارا على أن السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني.
أعني باختصار أن ما تتعرض له قطر من حصار جائر على أيدي دول شقيقة هو نتيجة دعمها للشعب الفلسطيني لا دعمها للإرهاب مثلما يدعون، كما أن ما يتعرض له الأقصى والفلسطينيون هو نتيجة العجز العربي المهين، نعم أقصد «المهين» بكل ما تحتمله الكلمة من معنى، وإمعانا في إهانة إسرائيل للعرب قررت التراجع عن إجراءاتها الأمنية يوم الأربعاء الماضي قبل اجتماع مجلس الجامعة العربية يوم الخميس، ولم تؤجل التراجع إلى ما بعد الاجتماع حتى لا يظن العالم أنها حسبت حسابا للعرب.
ليس لدولة ما الفضل في تراجع إسرائيل عن إجراءاتها الأمنية حول المسجد الأقصى ورفع البوابات الإلكترونية وكاميرات التصوير والتفتيش اللهم إلا غضبة وانتفاضة واحتجاجات المقدسيين، وردة فعلهم التي كانت بمستوى الحدث، وأوصلت الرسالة إلى سلطات الاحتلال بأنهم موجودون ويرفضون كل أشكال السيطرة والتحكم بالمقدسات الإسلامية في القدس.
لقد سجل أهل القدس أروع ملاحم الصمود في وجه الطغيان وأثبتوا للعالم أجمع أنهم باقون على العهد في الدفاع عن الأقصى والشهادة من أجله في سبيل الله حتى يبقى صرحا إسلاميا عظيما.
أمام وقفتهم العظيمة والاحتجاج ومقاومة الاحتلال كان لا بد لنا من الحديث عنها، والتوقف عند ملاحمهم البطولية طويلا لتوجيه التحية لهم، وهذا أقل ما يمكن أن نقدمه لهم كي يستمر كفاحهم حتى النصر وتحرير كامل أرض فلسطين بإذن الله.

بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي