كتاب وأراء

الغزالي وإعجاز القرآن «1-3»

من الغريب ألا يدرك بعض الناس جوانب الإعجاز في القرآن الكريم مع أنهم لو قرؤوا القرآن قراءة واعية وبصيرة وعلموا بعض ما توصل إليه العلم الحديث، لوجدوا أدلة كثيرة على هذا الإعجاز القرآني الذي قال عنه الإمام الغزالي: إن القرآن كون ناطق في دلالته على الله تعالى كما أن هذا الكون الضخم قرآن صامت، وكلاهما– الكون والقرآن- ينبثق من ذات واحدة ويهدف إلى غاية واحدة. وبهذا فهناك فرق يتمثل في إعجاز لغة القرآن كما يراه علماء وفصحاء اللغة العربية، وبين إعجاز القرآن الذي يتجاوز قمة لا تصل إليها عيون البشر وألسنتهم. فما هو بالشعر، ولا هو بالنثر، ولا هو سجع الكهان، ولا بإنتاج إنسان، ولا هو من تعاويذ السحر.
وما يقال عن إعجاز القرآن.. قيل في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فهو «كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. وهو الفصل ليس بالهزل. ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل» وقد وصف الله القرآن في آيات عديدة، فقال سبحانه في سورة الأنعام «ما فرطنا في الكتاب من شىء» (الآية38)، وفي سورة النحل «ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين»( الآية89)، وفي سورة المائدة «يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويديهم إلى صراط مستقيم» (الآية16)، وفي سورة الحج «وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم» (آية 54).
ومن العلماء من يدرك أبعادا أخرى من إعجاز القرآن في إشاراته الكونية والإنسانية مما لم يكشف عنه العلم إلا بعد مئات السنين من نزول القرآن بحيث يعبر عن هذا الإعجاز المبهر الدكتور منصور حسب النبي بقوله: إنه لا يمكن لعالم مهما كان حظه من العلم أن يبلغ الغاية، أو يصل إلى النهاية من كلام الله الذي ليس كمثله شيء، فإعجاز القرآن خارق للعادة، يظهره الله سبحانه وتعالى مصدقا لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويشهد كثير من العلماء الذين وصلوا إلى قمة التخصص في علومهم بأن القرآن حق، وسوف يشهد غيرهم اليوم وغدا كما في قوله تعالى «وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنون به» (الحج الآية 54). وحين يقول سبحانه في سورة النمل «وقل الحمد لله سيركم آياته فتعرفونها» (الآية 93) فإن حرف السين يعنى المستقبل، والقرآن يتلى إلى يوم القيامة. وهذا يعني أن الحقائق التي يشهد إليها ليست لها نهاية، وسيكشف الله الغطاء عن أسرار في آياته، وعلى الذين يكذبون القرآن من المستشرقين وغيرهم أن يتفهموا قول الله تعالى عن أمثالهم «بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله» (يونس الآية 39) فالإعجاز القرآني متجدد ومستمر والتحدي للمكذبين باق إلى يوم القيامة وسيدرك من يهديه الله أن هذا القرآن كما قال الله تعالى «أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض» ( الفرقان الآية 6).
يتبع
بقلم : رجب البنا

رجب البنا