كتاب وأراء

ما بعد انتهاء «داعش».. هل توضع استراتيجية دولية لمحاربة خطره؟

ما أن حررت القوات العراقية مدينة الموصل من قبضة تنظيم داعش الإرهابي، وبالتالي إعلان سقوط عاصمته التي أعلن منها دولته في يوم 10 يونيو 2014 تاريخ سيطرته بالكامل على مدينة الموصل (مركز محافظة نينوى شمالي العراق) ليتخذها منطلقا لضم مساحات واسعة من البلاد، حتى انشغل المحللون والمراقبون في الحديث عن مصير تنظيم داعش بعد الموصل والرقة التي يقترب سقوطها أيضاً.
ومصدر الانشغال يعود إلى القلق المتزايد من تسرب عناصر داعش، الذين يقدر عددهم بالآلاف، عبر المدنيين داخل العراق وتحولهم إلى خلايا نائمة وقنابل موقوتة، أو فرارهم عبر الأنفاق إلى صحراء الأنبار، أو عودتهم إلى الكثير من البلدان الأوروبية والإقليمية والعربية التي جاؤوا منها. من هنا فان الخطر الذي يشكله هؤلاء على أمن واستقرار هذه الدول مستمر ولا يجب التقليل منه، خصوصا وأن داعش نفذ سلسلة من العمليات الإرهابية الانتقامية في المدن الأوروبية. وما يزيد من المخاوف الحديث عن احتمال تحول هؤلاء إلى ما يعرف ب(الذئاب المنفردة) الذين يقومون بشن هجمات منفرده لكنها توقع العديد من الضحايا.
على أن ازدياد وتنامي هذا الخطر الإرهابي عززه المعلومات التي ذكرت، قبيل حصار الموصل والرقة، بان قيادة داعش وضعت استراتيجية جديدة لمرحلة ما بعد انتهاء سيطرة التنظيم على مناطق في العراق وسوريا، وأن هذه الاستراتيجية تضمنت توزيع قيادات وكوادر داعش، وبالتالي انتقال العديد من هذه القيادات والكوادر إلى دول عديدة في المنطقة والعالم. استعداد للمرحلة القادمة التي تستدعي اللجوء إلى العمل السري والأمني في هذه الدول.
ولهذا فان المرحلة الجديدة من خطر داعش وفكره التكفيري المتطرف، بعد سقوط دولته، سوف تتركز حول كيفية مواجهته من قبل السلطات الأمنية في العديد من الدول. غير أن هذه المواجهة تتطلب استنفارا وتنسيقا وتعاونا دوليا يتجاوز الصراعات السياسية بين الدول باعتبار أن هذا الخطر يطال العالم.لاسيما وأن المواجهة تستوجب وضع استراتيجية شاملة على الصعد كافة الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. إن محاربة خطر داعش لا يجب أن يقتصر على الجانب الأمني فقط بل يجب أن يشمل كل الجوانب المذكورة آنفا والتي تشكل المصادر التي وفرت لهذا التنظيم البيئات الحاضنة التي تمكن من خلالها أن ينشر فكره ويستقطب وينظم الشباب المهمش والناقم على السياسات الرأسمالية التي تتسبب بالفقر والحرمان والبطالة والظلم والاضطهاد بكل أنواعه.
والتنسيق بين الدول يحتل هنا أهمية استثنائية خصوصا على صعيد تبادل المعلومات الأمنية حول عناصر داعش الذين عادوا إلى الدول التي جاؤوا منها.
كما أن محاربة داعش على صعيد فكره المتطرف قد يكون أسهل في الفترة المقبلة إذا ترافق ذلك مع معالجات جادة لواقع التهميش والفقر والبطالة في المناطق التي شكلت بيئات حاضنة لهذا التنظيم، خصوصا وأن النموذج الهمجي الذي قدمه داعش خلال فترة سيطرته على الموصل والرقة وغيرها من المناطق في العراق وسوريا دفعت الناس الذين أيدوه في البداية إلى النفور منه.
فقد أدت الممارسات العدوانية التي أقدم عليها داعش إلى جانب المجازر التي ارتكبها ضد المسيحيّين والأزديين وهدم المراقد الدينية، والتّهجير، إلى المساعدة على تغيّر المزاج الشعبي ضدّ داعش، فقد فاقم من نقمة الناس ضده السلوك الذي اتبعه مقاتلو التنظيم في التدخل في خصوصيّات العائلات وانتهاك القيم القبلية أو العائلية المحافظة ونشر القوانين الرجعيّة وإجبار السكّان على طريقة لبس ونمط حياة معين، واعطاء تفسيراتهم المخالفة للدين. كل هذه الأمور جعلت شعبية داعش تتراجع.
وهذا يعني أن قدرة هذا التنظيم على الاستقطاب والتنظيم قد ضعفت، لكن اذا ما استمرت السياسات التي اسهمت في المساعدة على إنتاج هذا الفكر والبيئات الحاضنة له فان محاربته عسكريا وأمنيا لن تؤدي إلى القضاء عليه، في حين أنه سوف يلجأ إلى التحصن بالسرية وتنفيذ عمليات إرهابية. وبالتالي استمرار خطره.
انطلاقا مما تقدم فإن مواجهة هذا الخطر الإرهابي الذي يمثله تنظيم داعش وفكره المتطرف إنما تتطلب المسارعة إلى وضع استراتيجية دولية جادة لمحاربته على كافة المستويات ولتعزيز التنسيق بين جميع الدول واتخاذ الإجراءات الكفيلة من أجل تطويق خطره والحد منه وصولا إلى القضاء عليه عبر حزمة الخطوات الاقتصادية والاجتماعية.
أما إذا ما استمر العالم متجاهلاً أهمية وضع استراتيجية شاملة لمواجهة خطر داعش فإن ذلك سوف يشكل خدمة كبرى لهذا التنظيم الذي يستطيع عندها أن يستغل التناقضات والصراعات بين الدول لوضع خطته الجديدة موضع التطبيق العملي، لاسيما وأنه يملك بنية متماسكة وشبكة خلايا سرية نائمة في معظم الدول، إلى جانب آلاف العناصر الفارين من العراق وسوريا إلى شتى الدول التي جاؤوا منها، جاهزين وحاضرين للبدء بتنفيذ هذه الخطة أو الاستراتيجية الإرهابية والتي سيكون الكثير من الناس ضحيتها. من هنا فإن الدول التي تعارض أو تتلكأ في العمل على التعاون للاسراع في وضع مثل هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ تتحمل المسؤولية عن كل ضحية تسقط بفعل استمرار إرهاب داعش وسفكه لدماء المواطنين ليس فقط في العراق وسوريا بل في المدن والساحات والشوارع الأوروبية. لاسيما وأن داعش لا يميز في القتل بين شعب وآخر أو بين مواطن وآخر فهو في ايديولوجيته كل من لا يؤيده كافر وقتله مباح له.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي