كتاب وأراء

صحوة الأقصى .. تحشر إسرائيل في الزاوية

عندما تمنع إسرائيل الصلاة في المسجد ألأقصى، ثم تضع بوابات إلكترونية لتفتيش المصلين، فإنها تفجر طاقة غضب إسلامية تتجاوز الفلسطينيين والعرب ليصبح التصدي لهذا الموقف الإسرائيلي الخطير قضية المسلمين جميعا في كل العالم باعتبار الأقصى قاسما مشتركا لهم برغم تنوع انتماءاتهم الوطنية.
الصحافة الإسرائيلية لم تكشف بوضوح تطورات اتخاذ هذا القرار ولماذا وافق عليه بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي ومجلس الوزراء المصغر، ولكنها تشير إلى انه اتخذ على عهدة الشرطة بناء على طلب غامض من نتانياهو بتكثيف الإجراءات الأمنية في محيط الحرم. وتشدد الصحف ذات الانتشار مثل يديعوت أحرونوت على أن نتانياهو وفريقه أصبحوا في موقف لا يحسدون عليه كمن أعتلى الشجرة ويريد النزول ولكنه بين نارين، فإذا تراجع وألغى البوابات الإلكترونية سيبدو ضعيفا متراجعا وإذا استمر على موقفه سيواجه المزيد من رد الفعل العنيف من الفلسطينيين أي وقوع المزيد من القتلى الإسرائيليين سواء كانوا من الجنود أو المستوطنين.
التفسير الراجح هو أن الحكومة الإسرائيلية ذهبت إلى ما بعد الخطوط الحمراء في تصرف غير محسوب العواقب، وذلك بأن وضعت قضية الأقصى والقدس في موضع الصراع الديني المحض على خلاف ما كان قائما من قبل وهو السياق السياسي.
ولم تتوقف المخاوف الفلسطينية والعربية والإسلامية عند حد نقل الصراع على القدس من الطابع السياسي إلى الديني، بل ترسخ الانطباع من اللحظة الأولى لاتخاذ هذه الإجراءات بأن الحكومة الإسرائيلية تريد توجيه رسالة منها مؤداها أنها ماضية بلا رجعة في تغيير الأوضاع في الحرم المقدسي وأنها تفرض فعليا سيادتها المطلقة على القدس الشرقية وكلاهما لم يكن واردا منذ 67 بحكم أن المدينة واقعة تحت الاحتلال الذي هو مؤقت بطبعه ولا يسمح بتغيير الأوضاع. ومن هنا مثلا كان إصرار الفلسطينيين بكل طوائفهم ومعهم عرب 48 على رفض التعامل مع البوابات الإلكترونية لأن الموافقة على ذلك تعنى الانصياع والتسليم لما تريد إسرائيل فرضه كأمر واقع.
ولا أحد عربيا وإسلاميا يقبل بالموافقة على هذا التحول الخطير في الموقف الإسرائيلي، ففي العقائد لا يمكن التساهل أو المساومة تحت أي ظرف من الظروف.
المسألة لم تعد التمكن من الصلاة في المسجد الأقصى، وإنما في اجتثاث هذه الرغبة الإسرائيلية المدمرة من الأساس، ولذلك فإن المشهد يتركز في الصمود والرفض والمقاومة لا فقط في العودة للصلاة داخل المسجد، يمكن أداؤها على الأرصفة والشوارع وتحمل قنابل الغاز لتفريق المصلين عقب أدائهم الصلاة، ولكن لا يمكن الاستسلام للإجراءات الإسرائيلية.
موقف السلطة الفلسطينية بتجميد الاتصالات مع دولة الاحتلال لا يكفي، وموقف الدول العربية والإسلامية يجب أن يتعدى الإدانة والتنديد إلى مستوى الضغط الفعال لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، وهنا تصبح العلاقات العربية الإسلامية مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية على المحك؛ فالمسألة لا يصح حصرها في مجرد خلاف حول إجراءات أمنية من المعتاد اللجوء إليها كوضع بوابات إلكترونية، وإنما حول ما تمثله هذه الإجراءات من تعبير عن سياسة هدفها الواضح هو تغيير الأوضاع في الحرم القدسي بما يجعل لإسرائيل السيادة والسيطرة المطلقة بينما قضية كهذه هي جزء من قضايا الحل النهائي الذي من المفترض أنه يتأتى غبر المفاوضات. وإذا كانت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية حريصة حقا على استعادة مسيرة السلام فإن عليها أن تساعد حكومة نتانياهو على الخروج من الفخ الذي وقعت فيه بحماقتها السياسية والنزول من أعلى الشجرة. إسرائيل اليوم لا تواجه الفلسطينيين أو العرب وحدهم بل تواجه عالما إسلاميا كبيرا في قدراته، وهنا تتعدد صور المواجهة ولكنها تبقى دائما في اتجاه التصعيد.
وعند الوصول بالمشهد إلى وضع التصعيد فإن احتمالات العنف تتزايد، وليس بعيدا أن ما كانت تتجنبه هذه الأطراف الغربية في سوريا والعراق أن ينتقل إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد