كتاب وأراء

إسبانيا أمام خطر الانقسام .. قراءة للتداعيات السياسية

لماذا تسمح لندن بإجراء استفتاء في إسكتلندا حول الاستقلال عن المملكة المتحدة، وترفض مدريد السماح بإجراء استفتاء في كتالونيا حول الاستقلال عن إسبانيا؟! عندما جرى الاستفتاء الإسكتلندي، ثبت أن أكثرية الشعب تفضّل البقاء على وحدة المملكة المتحدة (بريطانيا– إسكتلندا– ويلز– إيرلندا الشمالية). وبعد الانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي تجددت الدعوة في إسكتلندا للانفصال والمطالبة بإجراء استفتاء ثانٍ، وذلك على خلفية أن أكثرية الإسكتلنديين مع الوحدة الأوروبية، غير أن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة أثبتت تراجع شعبية الحزب الإسكتلندي الحاكم الذي يرفع لواء الانفصال الاستقلالي، فقرر الحزب تأخير الدعوة إلى الاستفتاء.
ما كانت إسكتلندا لتجري الاستفتاء من دون موافقة الحكومة في لندن. وهي موافقة تحجبها الحكومة في مدريد عن طلب إجراء الاستفتاء في كتالونيا (عاصمتها برشلونة). غير أن هذا الرفض القائم على وصف الاستفتاء بأنه ليس دستورياً أدى إلى ردات فعل عززت من شعبية المطالبة بالاستقلال الانفصالي.
في الأساس تخصص الحكومة المركزية في مدريد 9.5 بالمائة من الموازنة العامة للإنفاق على الإدارة ومشاريع التطوير في ولاية كتالونيا، غير أن هذه الولاية تساهم بنسبة 20 بالمائة من الدخل القومي (خمس الدخل القومي)، ولذلك فإنها تعتبر نفسها مغبونة ومنتهكة الحقوق، بل إنها تعتبر نفسها أكثر تقدماً ثقافياً واقتصادياً من الولايات الإسبانية الأخرى. وترى في الاستقلال عن إسبانيا رفعاً لما تعتبره ظلماً متمادياً يؤخر مسيرتها في التقدم والتطور.
ولكن رغم معارضة مدريد المبدئية أجرت كتالونيا بشكل منفرد استفتاءً في عام 2014، اعتبرته الحكومة الإسبانية غير شرعي وتمكنت من إسقاط مفاعيله رغم أن نتائجه لم تكن في مستوى طموحات القادة الكتالونيين أنفسهم.
استغلّت حكومة مدريد الفرصة ومارست سياسة الانتقام من المسؤولين عن الاستفتاء والداعين إليه؛ فحكمت على حاكم الولاية أرثر ماس بجريمة التمرد على الدولة، وحجبت عنه الثقة ومنعته من تبوأ أي منصب بعد الآن في الدولة لمدة سنتين على الأقل، وفرضت عليه غرامة مالية (رمزية) بقيمة 39 ألف دولار.
أدت هذه العقوبات المعنوية والمادية إلى ردّ فعل عكسي تمثّل في تصاعد شعبيته، كما أدى إلى ارتفاع شعبية المطالبة بالاستقلال رفضاً لهذه العقوبات التي استهدفت شخصية وطنية كتالونية.
من هنا تخشى مدريد إذا جرى الاستفتاء الجديد في مطلع شهر أكتوبر المقبل كما هو مقرر، أن يسفر هذه المرة عن فوز الاستقلاليين، وهنا مصدر الخطر؛ ذلك أنه ليست كتالونيا هي الإقليم الإسباني الوحيد الذي ينشد الانفصال ويسعى إلى الاستقلال. هناك إقليم الباسك في الشمال، على الحدود مع فرنسا. إلا أن الحركة الاستقلالية هناك تبنّت الأسلوب المسلح لتحقيق أهدافها ولكن من دون طائل، وبعد سقوط آلاف الضحايا على مدى عقود من التمرد المسلح، اضطرت الحركة إلى الاستسلام للأمر الواقع وحلّ ذاتها، وتسليم سلاحها للدولة مقابل العفو العام عن جميع أعضائها في إطار الوحدة الوطنية الإسبانية.
وبين إخماد حركة التمرد المسلح في أقصى الشمال، وفشل التعامل مع حركة انفصال سلمي في أقصى الجنوب، تواجه إسبانيا مشكلة قيام حكومة مترهلة في مدريد تتمتع بأكثرية ضئيلة، ومعرضة للسقوط في البرلمان في أي وقت.
من هنا السؤال: كيف سيكون رد فعل ولاية كتالونيا إذا ما مضى رئيسها الجديد كارل بويفديموند قدماً في إجراء الاستفتاء في أكتوبر المقبل؟.. وماذا تستطيع حكومة مدريد أن تفعل من الآن وحتى ذلك التاريخ لإقناعه، أو لمنعه من إجراء الاستفتاء؟.. وماذا إذا جرى الاستفتاء كما تشير إلى ذلك كل المؤشرات وكان هذه المرة في مصلحة الاستقلال الانفصالي؟. هل تعود حركة الباسك الانفصالية إلى استرجاع عافيتها من جديد والى المطالبة سياسياً بالاستقلال.. على خطى كتالونيا؟.. وماذا يكون مصير إسبانيا الدولة التي تتألف من عدة ولايات؟.. بما فيها ولاية سبتة ومليلية التي تقع في شمال المغرب وضمن حدوده، والتي احتلتها إسبانيا مباشرة بعد سقوط الأندلس.
تفرض هذه الأسئلة ذاتها في دول أوروبية عديدة أخرى، حتى في فرنسا حيث تطالب حركة سياسية باستقلال جزيرة كورسيكا (مسقط رأس نابليون بونابرت). وكذلك في إيطاليا؛ حيث تطالب حركة يمينية متشددة بانفصال الشمال عن الجنوب.
وحتى في الولايات المتحدة الأميركية ترتفع أصوات رسمية وشعبية في ولاية كاليفورنيا تطالب بالانفصال وإعلان الاستقلال، رداً على سياسة الرئيس دونالد ترامب من قضايا البيئة، والمهاجرين. وفي كندا لم تخمد بعد الأصوات المطالبة بانفصال ولاية كيبيك (الفرنسية الثقافة واللغة) رغم أنه جرى مرتين استفتاء حول قضية الانفصال وكانت النتيجة في المرتين لمصلحة استمرار الوحدة ولو بفارق ضئيل جداً.
من هنا فإن ما قد يحدث في إسبانيا في مطلع الخريف القادم سلباً أو إيجاباً، يعني دولاً عديدة أخرى في أوروبا.. وما وراء الأطلسي.. بل إنه يعني دولاً عديدة أخرى في الشرق الأوسط أيضاً.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك