كتاب وأراء

أزمة الخليج : الخاسر والخاسرون

يمثل مقياسا الربح والخسارة أداتين أساسيتين في التقييم وقياس نتائج الحركات والأفعال والمواقف والتوجهات. وهما يشكلان رغم طابعهما التجاري أو النفعي المباشر مقياسا مهما لمعرفة طبيعة النتائج وتقييم مردودية الأفعال. صحيح أن كثيرا من الظواهر والحالات والتحولات لا تخضع بشكل مباشر لهذين المقياسين لكن الثابت أيضا هو أن العدد الأكبر من الظواهر والمعطيات الطبيعية والاجتماعية والفردية تخضع بشكل لمقياس الربح والخسارة.
أزمة الخليج الحالية أو ما اصطلح عليه في الأدبيات الإعلامية بتسمية «حصار قطر» هي واحدة من الظواهر السياسية والاجتماعية التي تمكن قراءتها وفق مقياس الربح والخسارة من أجل تبين أثرها ومداها وتحديد المنتفعين منها داخليا وخارجيا. حصار قطر ظاهرة سياسية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وثقافية وقبلية كثيرة وهو ما يجعل من قراءتها وتفكيك مكوناتها مسألة معقدة بسبب تشابك هذه الأبعاد وارتهان بعضها ببعض.
لكن أزمة الخليج الأخيرة تشارك فيها عناصر عديدة متباينة وهو ما يجعل من مسألة الربح والخسارة واحدة من المقاييس التي يمكن أن تحدد حصيلة كل واحد منها ويمكن إجمال الحصيلة بشكل عام في النقاط التالية:
الخاسر الأول هي الأمة بما هي مجموعة الشعوب التي تكون دول مجلس التعاون الخليجي وصولا إلى شعوب المغرب والمشرق وباقي المكونات التي تحدد حدودها سواء في بعدها العربي أو الإسلامي أو كليهما. فقد مثل حصار قطر عنوانا آخر من عناوين تصدع النسيج السياسي الداخلي بشكل جعل مكوناتها الداخلية تتناحر فيما بينها كما تتقاتل الخلايا داخل الجسد الواحد. أزمة الخليج تؤكد اليوم أن الأمة العربية الإسلامية قد بلغت مرحلة متقدمة من التحلل السياسي والتآكل البيني بشكل ينذر بأزمات مستقبلية كارثية إن لم يتم تدارك الخلل بشكل سريع.
المؤسسات المشتركة مثل مجلس التعاون الخليجي تشهد تفككا ظاهرا لكن المتضرر الأكبر هي شعوب الخليج العربي حيث أحدثت الأزمة الأخيرة شرخا كبيرا بين سكان دول المنطقة التي لم تكن تعرف مثل هذه الأزمات من قبل. فالبنية القبلية التي كانت تعتبر الرابط الأساسي لشعوب هذه الدول ومكوناتها البشرية والسكانية شهدت هي الأخرى هزة عنيفة بعد تخندق الانتماء القبلي داخل بنية الدولة والانتماء الإقليمي.
لن يكون هناك رابح من حصار قطر داخل منطقة الخليج وداخل المنطقة العربية لأن الجميع خاسرون بل الرابح الأكبر هم أعداء الخارج من المتربصين بالمنطقة وثرواتها شرقا وغربا وهو ما يفرض على نخب الخليج العربي الوعي بمرارة الدرس وبضرورة ترميم صدع البناء الخليجي بأسرع وقت ممكن وعلى أسس صلبة قبل بلوغ نقطة اللاعودة.

بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد