كتاب وأراء

صفقة دبلوماسية من أجل «الأقصى»

لم تصرح السلطات الأردنية بذلك، لكن هذا ما حصل على ما تفيد كل المؤشرات والمعلومات رغم نفي نتانياهو؛ صفقة سياسية بين الأردن وإسرائيل، حصل الأردن بموجبها على أفضل عرض ممكن؛ السماح للدبلوماسي «رجل الأمن» الإسرائيلي المتورط في قتل مواطنين أردنيين بمغادرة الأردن بعد استجوابه مرتين من قبل جهات التحقيق القضائي، مقابل تراجع إسرائيل التام عن إجراءاتها في بحق المسجد الأقصى المبارك والحرم القدسي الشريف.
الموقف الأردني كان واضحاً وحاسماً؛ لا بوابات إلكترونية ولا كاميرات مراقبة عند بوابات «الأقصى».
وفق اتفاقية فيينا يتمتع الدبلوماسيون في جميع الدول بالحصانة من المثول للتحقيق أو أمام القضاء بصرف النظر عن أفعالهم، وتحرك بحقهم دعاوى حق عام حال عودتهم لبلادهم بعد ارتكاب أية مخالفة في الدولة التي يعمل فيها.
رفضت إسرائيل في البداية السماح للسلطات الأردنية باستجواب الدبلوماسي الإسرائيلي استنادا لنص الاتفاقية المذكورة، لكن تحت إصرار أردني استجوب المدعي العام القاتل مرتين وسجل إفادته بمحضر رسمي.
عقب ذلك امتثلت الحكومة الأردنية لنصوص اتفاقية فيينا وسمحت له بالمغادرة.
لكن وبينما كانت الإجراءات تمضي في مسارها القانوني، كانت الدبلوماسية تعمل على مسار آخر لاستثمار حادثة السفارة الإسرائيلية في عمان لانتزاع تنازلات لصالح الفلسطينيين في المسجد الأقصى.
الإدارة الأميركية كانت في صلب الاتصالات الجارية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث شخصيا مع الجانبين الأردني والإسرائيلي، وأوفد مبعوثه الخاص لعمان، والذي بدوره اجتمع مرتين مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بأقل من 10 ساعات.
تذكر حادثة السفارة الإسرائيلية بمحاولة الموساد الإسرائيلي اغتيال زعيم حركة حماس خالد مشعل في عمان قبل عشرين عاما.
كان موقف الأردن في ذلك أقوى بكثير من موقفه في الحادثة الأخيرة؛ فالمتورطون بمحاولة الاغتيال لم يكونوا دبلوماسيين، إنما مجموعة من القتلة الإسرائيليين دخلوا الأردن بجوازات سفر كندية مزورة.
ومع ذلك كانت أولوية الملك حسين رحمه الله استغلال الفعلة لحصد أكبر قدر ممكن من المكاسب، فاشترط حينها بتوفير العلاج المقاوم للسم الذي دسه القتلة في أذن مشعل، والإفراج عن مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين رحمه الله من سجون الاحتلال إلى جانب مجموعة من الأسرى الفلسطينيين، مقابل تسليم القتلة وكان له ما أرد.
حتى يومنا هذه تعد هذه الصفقة مكسبا كبيرا لحركة حماس.
في حادثة السفارة كان من الصعب على دولة مثل الأردن ملتزمة بالقانون الدولي أن تخالف اتفاقية فيينا، ولهذا كان وضعها القانوني ضعيفا ولا يسمح لها باستثمار الحادثة سياسيا، رغم ذلك مارست الدبلوماسية الأردنية أقصى قدر ممكن من المناورة، والتقط الجانب الأميركي الرسالة الأردنية، ودفع باتجاه حل فوري ينزع فتيل الأزمة في المسجد الأقصى.
لكن القاسم المشترك في الحادثين رغم الفارق الزمني بينهما أن الأردن وظفهما لخدمة المصلحة الفلسطينية، وانتزاع مكاسب ثمينة. وثمة مشترك آخر يتمثل بوجود نتانياهو في الحالتين؛ رئيسا للوزراء أيام محاولة اغتيال مشعل، وتشاء الصدف أن يكون في نفس الموقع حاليا.
الشيء المؤكد حاليا أن أزمة المسجد الأقصى ومن بعدها حادثة القتل في محيط السفارة الإسرائيلية في عمان، ستلقي بظلالها على علاقات عمان بتل أبيب، حسب تقارير الصحافة الإسرائيلية العلاقة بين الطرفين في أسوأ مراحلها، والمحادثات الجارية بين الطرفين خلال الأسابيع الأخيرة اتسمت بالتشنج والحدة لدرجة غير مسبوقة.

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان