كتاب وأراء

قضية وجود لا قضية مقدسات

يمكن للمشككين أن يضعوا قضية الأقصى في القدس المحتلة نصب أعينهم ويسلطوا الضوء عليها للتخلي عن التفكير بالقضية الفلسطينية، ولإيجاد الذرائع لدعم العدو الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، فما يحدث الآن في القدس المحتلة مرتبط فعلا بالمسجد الأقصى، إنشاء بوابات تفتيش إلكترونية لوضع العراقيل أمام دخول المصلين إلى المسجد، وما أعقب ذلك من غضب شعبي وردة فعل إسرائيلية عنيفة، وإطلاق النار على المحتجين وقتل وجرح العشرات.
كلها أسباب مهيئة للقول إن القضية هي قضية دينية محضة، لا قضية وطنية، وبالتالي سينسحب من الاهتمام بالقضية من يرون أن الدين الإسلامي، خصوصا، والأديان عموما، تنتج صراعات لا نهاية لها، ولا يعرف منها من هو المحق ومن المحقوق، لا بأس، تصلح هذه الفكرة في الصراعات الدينية بين مواطني البلد الواحد، تصلح في حالة الحروب الأهلية، حيث ثمة أمراء حروب وتجار أديان يغذون هذه الصراعات يوميا كي تبقى مصالحهم الشخصية ومصالح مموليهم قائمة ومزدهرة.
قد يكون ما يحدث اليوم في سوريا من حرب مذهبية الملمح، أعقبت ثورة الشعب العظيمة، مثالا على ذلك، ما يحدث في العراق أيضا، ما حدث قبل سنوات طويلة في لبنان، غير أن ما يحدث في القدس مختلف تماما، فالمسجد الأقصى ليس مسجدا عاديا كباقي المساجد في العالم الإسلامي، للأقصى دلالة رمزية تاريخية كبيرة، قبل دلالته الدينية، فالأقصى يقع في القدس العاصمة الأزلية لفلسطين، والتي تحاول إسرائيل طمس هويتها العربية والفلسطينية إلى الأبد، والأقصى رمز من رموز المدينة القديمة، والصراع حوله هو جزء من الصراع حول هوية القدس، وليس صراعا دينيا كما يتم الترويج له من قبل دولة الاحتلال أو من قبل العرب المتخاذلين. من هذه الرؤية يجب النظر إلى ما يحدث في القدس اليوم، من هذه الرؤية وحدها، الرؤية التي تعيد الأمور إلى نصابها الأول والحقيقي، قضية الشعب الفلسطيني وحقه في أرضه وتاريخه ورموزه وثقافته، وتلك ليست مجرد تفاصيل في سياق القضية، تلك هي القضية الأولى والأساسية؛ دولة احتلال، متكئة على نصوص دينية قديمة، يدعمها نظام عالمي بأكمله، احتلت أرضا عربية وشردت شعبا كاملا، وغيرت من شكل منطقة كبيرة بأكملها ولعبت بحاضر هذه المنطقة ومستقبلها، بسبب إسرائيل ابتليت بلادنا بديكتاتوريات عسكرية فاشية، بسببها تم إفقار شعوبنا وتجهيلها، بسببها لبست الديكتاتوريات العسكرية الفاشية لباس الوطنية والقومية وفتكت بشعوبها ونكلت بهاـ
بسببها يمنع اليوم على هذه الشعوب أن تقرر مصيرها بنفسها وأن تتمتع بالحريات التي أقرتها شرعة حقوق الإنسان العالمية؛ حرية الفكر والمعتقد والرأي، بسببها أيضا يقبع عشرات آلاف العرب في سجون الأنظمة بتهمة الخيانة، بسببها استطاعت هذه الأنظمة تدمير بلادها وتهجير شعوبها والقضاء على مستقبل شبابها وصغارها، بسبب إسرائيل وبذريعة وجودها يحدث كل ذلك، وهذا جزء من كل لكنه يكفي للقول إن القضية قضية وجود لا قضية مقدسات دينية.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران