كتاب وأراء

المجتمعات الفاشلة .. نظرة أوسع إلى المسؤولية عن التخلف

يصدر منذ عام 2005 عن مؤسستين أميركيتين هما «صندوق السلام» ومجلة «السياسة الخارجية» مقياس «الدول الفاشلة»، والذي أعيد تسميته ليكون «مقياس الدول الهشة»، ويرصد حالة العجز والتعثر التي تنتاب أكثر الدول إخفاقاً حول العالم.. وبلا أي شك فالدولة، بمعنى آلة الحكم والضبط والإدارة، تعد مسؤولة عن نجاح أو فشل كامل المحيط المكاني والزماني والإنساني الذي تتولى قيادته..
وخلال الأعوام القليلة الأخيرة كان نصيب الدول العربية والإسلامية من الهشاشة والفشل يتزايد باستمرار في اثني عشرة مجالاً يشملها المقياس من بينها توفير الأمن واحترام الحريات والحفاظ على التماسك الوطني والاستجابة للضغوط الاقتصادية ومكافحة الفقر وإشباع مختلف الاحتياجات السكانية.
ونقد الدولة ليس صعباً، لأنها تتصدر الواجهة دائماً.. ومع أنه نقد صحيح إلا أنه ليس كافياً، لأنه يلامس البناء العلوي أو الجزء الظاهر فقط من الأزمة أو الدولة، ويغفل البناء التحتي أو القسم الغاطس منها أو المجتمع.. فالدولة، أي دولة، ما كان لها أن تفشل إلا لأن المجتمع الذي أنشأها تركها لتفشل، وإلا لأن المجتمع الذي أقامها قد يكون هو نفسه فاشلاً.. وهذا لن يعجب النقاد الذين يفضلون تسليط الضوء فقط على الدولة مروجين باستمرار أن السمكة تفسد من رأسها وأنه لا مخرج من التخلف، إلا إذا صلح الرأس أي الدولة ومن يديرها.. وهذا من جديد أمر صحيح لكنه ليس كافياً. فالدولة ليست سمكة حتى يردد هؤلاء مثل هذا التشبيه الغريب وكأننا أمام نظرية متكاملة لتفسير التخلف: نظرية السمكة. فهذه النظرية لا وجود لها في العلوم السياسية ولا يجوز تشبيه الدولة بهذا التبسيط المخل بسمكة.. الدولة لا تخطئ إلا لأنها تجد مجتمعاً يسمح لها بالخطأ ولا تصيب إلا عندما يتفانى المجتمع ليفرض عليها الصواب.. إنه المجتمع، شريك الدولة في صناعة التخلف أو إنجاز التقدم، بل ويسبق دوره دورها باعتباره المنشئ والمؤسس لها.
ولأن المجتمع هو مصدر الخطأ فمن الأهمية أن يكون هناك مقياس أوسع للتخلف يشمل المجتمع ولا يتوقف فقط عند الدولة.. مقياس مركب يرد التخلف إلى مصدره الأصلي ولا يكتفي بإلقاء المسؤولية بأكملها على الدولة.. نعم ستبقى الدولة تتحمل نصيبها الهائل من اللوم. لكنه لوم على سوء الإدارة. أما المجتمع فيتحمل اللوم على نوعية الإدارة التي سمح أصلاً بها.. فهو الذي أقام الدولة وهو الذي تركها تنفصل عنه ولا تؤدي ما كان يتوقعه منها ثم عاد ليشكو بغرابة مما صنعه بيديه.
المجتمع هو الذي يسمح للدولة بالتراخي والترهل والفساد والجبروت إذا لم يكن يقظاً في مراقبة ومحاسبة البناء السياسي الذي أسسه ليدير له شؤونه.. الدولة العربية مثلاً لم تكن لتمنع الحريات، إلا لأن المجتمع فشل في جعلها قضيته الكبرى. ولم تكن الدولة الغربية لترعى الحريات إلا لأن المجتمع فرض ذلك عليها.. كذلك لم تُبعد الدولة العربية الناس عن الحيز العام، إلا لأنهم جبنوا ولم يظهروا قوة عددهم وصلابة علاقاتهم وفشلوا في الدفاع عن حقهم كملاك للمجال العام.
وما فرطت فيه المجتمعات العربية الفاشلة كثيراً، أوله الوعي بأن الحقوق لا تُمنح وإنما تنتزع.. كذلك لم تعد المجتمعات العربية تعي معنى المجتمع أو تتذكر أنه صاحب الحق الأصلي قبل أن تنشأ الدولة.. مجتمعات تعتقد أن ما تقدمه الدولة لها هو منة منها ولا تعرف أنها، أي الدولة، مجرد جهاز إدارة أعطيت له صلاحية تسيير شؤون تلك المجتمعات.
ولن يجري تصحيح العلاقة غير المتوازنة بين الدولة والمجتمع في منطقتنا، إلا إذا أدركت المجتمعات العربية أنها فاشلة وأن عليها نقد ذاتها أولاً قبل أن تتهرب من مسؤوليتها بإلقاء كل اللوم على الدولة.. لا بد أن يعترف المجتمع بأنه فاشل وأن فشله لا يقل عن فشل الدولة بل إن فشله هو المسؤول عن فشلها.. وكنقطة انطلاق حول مسؤولية المجتمعات الفاشلة عن مآسي هذه المنطقة يمكن أن يتضمن المقياس المقترح الجديد مؤشرات من قبيل مستوى الوعي المجتمعي أصلاً بتقدم مسؤولية المجتمع على مسؤولية الدولة، وقبول أفراده بالتعددية المجتمعية فيما بينهم وأنها المقدمة الضرورية لنجاح التعددية السياسية، ومستوى التسامح الاجتماعي بين الناس باعتباره مدخلاً للتسامح السياسي، ودرجة قبول الناس بالرأي المخالف في كل شيء من الرياضة إلى الغناء إلى الملابس ومختلف الأمور. فقبل انتظار اليد السياسية الغليظة للدولة لكي تدير شؤون المجتمع ينبغي أن تعرف المجتمعات أن لديها بدورها يداً قوية تستطيع أن توجه الدولة متى احتاجت إلى الصواب.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات