كتاب وأراء

موقف السودان واعتذار الوزير

- 1 -
لم يجد وزير الإعلام السوداني الدكتور أحمد بلال من الخيارات المُتاحة، سوى ابتلاع ما قاله بالعاصمة المصرية القاهرة عن قناة الجزيرة. تصريحات وزير الإعلام قُوبلت برفض واستهجان واسع من قِبَلِ أغلب الطيف السوداني المُتنوِّع الانتماءات والولاءات؛ فما جاء فيها من انتقادات صادمة للقناة مثَّل تجاوزاً واختراقاً للموقف الحكومي الرسمي من الأزمة الخليجية.
محتوى التصريحات ومكانها (القاهرة) وتوقيتها، أعطى انطباعاً للمُتابعين خارج السودان بحدوث مُتغيِّر جديد في موقف الخرطوم.

- 2 -

كانت بعض التفسيرات تمضي في اتجاه أن أحمد بلال بخلفيته السياسية وانتمائه للحزب الاتحادي الديمقراطي، صاحب العلاقات التاريخية بالحكومات المصرية المُتعاقبة؛ سعى لمُصادرة الموقف الحكومي السوداني لمصلحة حزبه، وارتباطاته التاريخية بمصر.
آخرون ردَّوا التصريحات المُتطرِّفة للوزير، لأسبابٍ شخصية مُتعلِّقة برغبته في الاعتذار عن تصريحات سابقة، سدَّدها في مرمى القاهرة، إبان تصاعد التوترات بينها والخرطوم في الأشهر الماضية.

- 3 -

ردة الفعل الرافضة لتصريحات الوزير، أربكت حساباته ووضعته في مقام الحرج، وفي حصار مُطبِق ما بين الإنكار والتبرير والاعتذار والاستقالة.
حاول في البداية إنكارَ حديثه عبر بيانات وإفادات مُرتبكة، فلم يُجْدِ ذلك، اختار لنفسه التبرير لما قال والادعاء أن ما نُقِلَ عنه مجتزأ، وأن ما قاله تعبيرٌ عن رأيه الشخصي لا عن موقف الحكومة السودانية.
فشل الوزير في تمرير إنكاره، وعجز عن تسويق تبريره، وصَعُبَ عليه قرار الاستقالة، فاختار الاعتذار المُهين عن تصريحاته أمام لجنة برلمانية مَثل أمامها.
ردة الفعل ذات الرفض الواسع النطاق لتصريحات الوزير أوضحت بجلاء تمسك السودان كدولة وشعب بالموقف الذي اختارته الحكومة، إزاء الأزمة الخليجية، وهو موقف الحياد الإيجابي والتعامل مع الأزمة باعتبارها فتنة.

- 4 -

في كل مواقف الدبلوماسية السودانية، لم يحظْ موقفٌ بتأييدٍ شعبي واسع، مثل الموقف الأخير من الأزمة الخليجية.
كلُّ أطياف الشَّعب السوداني لا ترغب في أن يكون السودان جزءاً من الصراع الرَّاهن، وتتمنى أن يصبح جزءاً من الحل.
ليس هذا هو الموقف الحصيف الأول للدبلوماسية السودانية؛ من قبل، كان للسودان موقفٌ واضحٌ ومخالفٌ لأغلب دول المنطقة، من غزو العراق وتدمير دولته وإنهاء حكم الرئيس صدَّام حسين.
وذلك ما عبَّر عنه الملف الذي أصدرته نيويورك تايمز، بعد عقودٍ من توقعات الحكومة السودانية لما سيترتب على غزو العراق.
الملف المذكور كان بمناسبة مرور 5 أعوام على الرَّبيع العربي، وحوى أكثر من 40 ألف كلمة، أخذت في قراءة أسباب الواقع المُتدهور للعالم العربي اليوم، وكيف تفكَّك وأصبح بؤرة للفوضى واللاجئين، وظهور الجماعات المتطرفة.. (داعش) وأخواتها.
ملف نيويورك تايمز خلص إلى أن غزو العراق عام 2003م، كان هو الحدث المفصلي الذي جرَّ وراءه قاطرةَ الأحداث الجِسام، التي أدَّت إلى تفكُّك العالم العربي بالحالة الكارثية التي نراها ونعيشها اليوم.

- 5 -

في كُلِّ تلك المواقف الخارجية، كان السودان يلتزم بمواقفَ مستقلة حكيمة، لا عن جُبنٍ وسلبية، ولكن عن وعيٍ ومقدرة على الاستشراف، غابت حتى عن الدول الكُبرى.
في الأزمة الراهنة السودان مثل دولٍ أخرى، حتى داخل الفضاء الخليجي، له علاقة متميِّزة مع أطراف الصراع. هذه الوضعية تجعله من أكثر الدول تأهيلاً للقيام بدور الوساطة مع الآخرين، ليس أمامهم ولا خلفهم.
لذا، كانت خطوة الرئيس عمر البشير الأولى، عقب اندلاع الأزمة، الاتصال بأمير الكويت للتنسيق لإصلاح ذات البَيِن بين الأشقاء، والإمساك بزمام الأزمة حتى لا تصبح خارج نطاق السَّيطرة.
حدوث أزمات كبُرى بالمناطق الحيوية في العالم، بكُلِّ تأكيد له مترتبات اقتصادية وأمنية على الجميع؛ شرر الحريق لن يستثني ثياب دولة قريبة أو بعيدة.

-أخيراً-

من الحكمة وجود دول لها مُقدَّرة، وقبول لدى أطراف الصراع للقيام بدور إيجابي يُسهم في تجاوز الفتنة الكبرى.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال