كتاب وأراء

الموقف الأميركي من حصار قطر

بوسع أي متابع مدقق للسياسة الأميركية تجاه أزمة حصار قطر، أن يكتشف وجود ثلاثة مواقف متباينة:
الأول: يعكس وجهة نظر البيت الأبيض، وتعبر عنه تغريدات ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي وتصريحاته وأحاديثه لوسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية. ويوحي ظاهر هذا الموقف بانحيازه الصريح أو الضمني إلى جانب الدول المشاركة في فرض الحصار على قطر والراغبة في معاقبتها وتصفية حساباتها معها.
غير أن الفحص المدقق والمتأني لحقيقة هذا الموقف يشير إلى أنه موقف ينطوي على قدر كبير من الغموض ويتسم بالتذبذب وعدم الثبات، وهو الأمر الذي قد يكون مقصودا ومتعمدا ليصبح قابلا للتطويع والتوظيف عند الحاجة، خدمة للأهداف والمصالح العامة للولايات المتحدة الأميركية، كما يراها ويدركها ترامب، أو خدمة لأهدافه ومصالحه المالية والاستثمارية الخاصة.
الثاني: يعكس وجهة نظر المؤسسات الرسمية الأميركية التقليدية، وتعبر عنها مواقف وتحركات وتصريحات صناع القرار في تلك المؤسسات، خاصة وزراء الخارجية والدفاع والخزانة ورؤساء أجهزة الأمن القومي على اختلاف أنواعها...الخ. ويوحي ظاهر هذا الموقف بأنه منحاز للموقف القطري، أو على الأقل أكثر تفهما للمنطق الذي يقوم عليه، ويسعى جاهدا للبحث عن مخرج لاحتواء الأزمة أو لحلها وتجاوز آثارها السلبية. غير أن الفحص الدقيق والمتأني لهذا الموقف إلى أن هذه المؤسسات تبدو حريصة على عدم إغضاب أي من أطراف الأزمة أو تحميله مسؤولية تفجيرها، وذلك حفاظا على المصالح التي تربط الولايات المتحدة بجميع أطرافها!!.
الثالث: يعكس وجهة نظر المؤسسات غير الرسمية، خاصة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ومؤسسات المجتمع المدني، ومراكز البحث والتفكير، وأجهزة قياس الرأي العام..الخ، وتعبر عنها التقارير والتحليلات والآراء الصادرة عن هذه المؤسسات. ويوحي ظاهر هذا الموقف بأنه محايد وغير منحاز لأي طرف ويحرص فقط على تتبع وكشف الحقيقة والدفاع عنها. ومع ذلك يبدو واضحا أن ما صدر عن هذه المؤسسات حتى الآن لا يشكل موقفا موحدا أو متجانسا ويحتوي على مواقف فرعية عديدة وغير متطابقة.
لكل من الأطراف المنخرطة في أزمة حصار قطر طريقته الخاصة في قراءة هذه المواقف والانتقاء من بينها والعمل على ترويج ونشر المواقف التي تتماشى مع مصالحه، وإظهارها وتقديمها للجمهور باعتبارها الأكثر تعبيرا عن المواقف الأميركية الحقيقية. ومع ذلك يلاحظ أن مسار الأزمة بدأ يأخذ منحى مختلفا وغير متوقع، قد ينتهي بترجيح وجهة نظر قطر وإضعاف الدول المحاصرة، بعد إقدام صحيفة الواشنطن بوست على نشر معلومات منسوبة إلى مصادر في المخابرات المركزية، تؤكد تورط مسؤولين إماراتيين كبار في عملية القرصنة الإلكترونية التي تعرضت لها المواقع الإعلامية القطرية التي نسبت على لسان أمير قطر تصريحات مزيفة. وإذا صحت المعلومات التي نشرتها الواشنطن بوست فسوف تعد دليلا قاطعا على أن الأزمة مبيتة ولها أسباب خفية تختلف عن الأسباب المعلنة. صحيح أن سفير الإمارات في واشنطن نفى صحة هذه المعلومات بشكل قاطع، غير أن هذا النفي قد يدفع الصحيفة لتقديم المزيد من المعلومات تأكيدا لمصداقيتها. وإذا حدث ذلك، فسوف تتحول المعركة إلى أزمة أميركية داخلية تضاف لأزمات كثيرة تواجهها ترامب.
فهل من شأن هذه التطورات أن تسهم بشكل أكبر في تسهيل البحث عن تسوية للأزمة أم في تعقيدها أكثر؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام والأسابيع القادمة، والأرجح أنها ستؤدي إلى تجميد الأزمة وبالتالي إلى إطالتها إلى أمد غير مسمى.
بقلم : د. حسن نافعة

د. حسن نافعة