كتاب وأراء

عكس التيار

لم يعد الجاهل هو الذي لا يستطيع الكتابة والقراءة، وإنما الذي يفتي دون علم في الدين والأدب والعلم وكل شؤون المعرفة. وقديما قالوا عاشر الكرماء تصبح كريما، رافق المؤدبين تصبح مؤدبا، عاشر السفهاء والمعربدين وسوف تتأثر قليلا أو كثيرا بطباعهم..عاشر المنافقين وحتما ستصبح واحدا منهم...كن أمعة لبعض الوقت وستصبح كذلك طوال الوقت.. في إحدى المرات دعا الرئيس الأميركي والذي يحمل رقم ثلاثين «كالفن كوليدج» مجموعة من الأصدقاء القدامى الذين نشأوا معه في مسقط رأسه للعشاء في البيت الأبيض، وقرر الضيوف الذين كانوا يشعرون بالقلق حيال إساءة التصرف على المائدة، أن يقلدوا كل ما يفعله الرئيس تجنبا لحدوث أي خطأ أثناء تناول الطعام، ونجحت الخطة وسار الأمر على ما يرام حتى جاء وقت تناول القهوة، حيث قام «كوليدج» بصب قهوته في صحن الفنجان، وقام الضيوف بالمثل، ثم أضاف الحليب والسكر، وفعلوا مثله، ثم انحنى ووضع صحن القهوة تحت قدميه لقطته المفضلة..وهنا حار الجميع ولم يعرفوا ماذا يفعلون بصحن القهوة الممتلئ حتى آخره..والمعنى واضح ولا يحتاج لتفسير.. ولمن أدمنوا الكذب والهجوم والمزايدات الرخيصة دعوة لإنعاش الذاكرة في كلمات قليلة لابراهام نولكن: «لا تستطيع تقوية الضعيف بإضعاف القوي، ولا مساعدة الأجير الفقير بإفقار صاحب العمل، ولا تحقيق الأخوة بين البشر بتشجيع كراهية الطبقات بعضها لبعض لقد هتف المفكر والفيسلوف«جان بول سارتر» في ذروة الصراع بين الثائرين الجزائريين والمستعمرين الفرنسيين «عارنا في الجزائر» فما كان من الحاقدين والمتطرفين من أعداء النجاح والفكر إلا أن تضامنوا ضده ولجأوا إلى شارل ديغول وكان حينها رئيسا لفرنسا، وطلبوا منه اعتقال سارتر وإيداعه السجن ليكون عبرة لكل من يجرؤ على السير عكس التيار، لكن ديغول هز رأسه وقال: «وهل أعتقل فرنسا كلها» ذلك ان سارتر كأديب وفيلسوف كان فرنسا كلها... وصوت فرنسا كلها.. وكذلك قطر صوت يصعب إسكاته مهما علا صوت المطبلين والمأجورين والمنافقين ولعل عزاءنا...كل العزاء في هذه الكلمات المقتضبة للفيلسوف«أمرسون» حتى الكوارث يتبعها تعويض يظهر أثره بعد فترات، وربما بدت الإصابة بالحمى أو بعاهة أو بصدمة جسيمة، أو فقدان الثروة أو الأصدقاء، خسارة لا تعوض، لكن السنين تكشف حتما تلك الطاقة الشافية والكامنة في كل الأحداث.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري