كتاب وأراء

الأزمة الخليجية : ماذا بعد الأربعين ؟

أكثر من أربعين يوماً مضت على بدء الأزمة الخارجية وفرض الحصار على دولة قطر من أربع دول عربية ثلاث منها خليجية. الحصار والأزمة يضعان كثيراً من الأسئلة الأخلاقية على الطاولة في وقت سيقول الكثيرون أن لا أخلاق مع السياسة بل المصالح تغلب القيم والمبادئ. من حق من يقول ذلك أن يواصل قوله، لكن هذا لن يوقف طرح الأسئلة الأخلاقية حول ما يجري في منطقة الخليج بل والعالم العربي برمته.
يلوم بعض العرب الأوروبيين على استعمارهم وقيمهم السلبية. وعندما بدؤوا بإدارة أمورهم بأنفسهم يلومون الاستبداد والفساد فيما هم عليه من تأخر وتراجع أمام أمم شرق أوسطية جيران للعرب. كانت البراعة في طرح سؤال اللوم ورمي المسؤولية على الآخرين بوصفهم سبب العلة والحرص على استمرارها وإبقاء أهل لغة الضاد في آخر الركب. لقد انشغل بعض العرب بالأزمات المصطنعة عن الاوجاع الحقيقية التي تئن منها المجتمعات العربية، فعدم انخفاض مستويات الأمية وجع، الاستبداد وجع، وعدم احترام المرآة وجع، وعدم مواكبة التعليم لتقدم المجتمعات وجع، والتباينات بين افراد المجتمع الواحد وجع، وعدم مكافحة الفقر والجريمة وجع، وربط العرب بالإرهاب وجع.. والقائمة تطول لاستعراض الأوجاع.
ثمة سؤال أخلاقي مهم يجب أن يُطرح ونحن على أبواب مائة عام من وعد بلفور، ذلك هو الأثر الذي تتركه الأزمات المصطنعة على ما يقول أهل السياسة من العرب أنها القضية المركزية فلسطين؟ ألم يقد الاجتياح العراقي للكويت في مطلع التسعينيات إلى مؤتمر مدريد والذي كان بداية حقيقية للاعتراف بالحضور الحقيقي لدولة الاحتلال في الفضاء السياسي والدبلوماسي العربي؟ لقد انحرفت بوصلة بعض العرب إلى قضايا تتعلق بمصالحهم ولا تتعلق بالقضايا الكبرى للإنسان العربي. مثل هذا الانحراف لن يأخذ العرب إلى المكانة التي يستحقونها أو على الأقل إلى المكانة التي يقولون إنهم يستحقونها.
سؤال أخلاقي آخر يتعلق بالأزمة المتفاعلة ومنع الصلاة في المسجد الأقصى لأول مرة منذ أكثر من خمسين عاماً، هل كانت إسرائيل لتجرؤ على مثل هذا الأمر لو لم يكن العرب في الوضع الكارثي الذي هم عليه. للأمم أوزان وعندما تخف أوزان الأمم تشبه الكرة تتناقلها الأقدام دون اعتبار.
ما من ريب أن لا مجتمعات بلا اختلافات، لكن المهم ألا تتحول الخلافات إلى مواجهات وإلى صراعات، التدافع بين البشر حقيقة، ويمكن فهمه، لكن ما لا يمكن فهمه هو الا يكون للاختلاف أخلاقه ومرجعياته التي لا تفسد الأنفس ولا تشيطن ولا تنشر ثقافة الكراهية. بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر كان البعض في الغرب يقول: لماذا يكره العرب والمسلمون الغرب؟ اليوم يطرح سؤال أكثر أهمية: لماذا الإصرار على نشر ثقافة الكراهية واستدعاء التاريخ بانتقائية مقصودة والإصرار على شيطنة الآخر؟
بعد أكثر من أربعين يوماً على الأزمة بين دول الحصار وقطر، يمكن الحديث عن خطابين يظللان مشهد الازمة: الأول من الدوحة يتحدث عن القوانين الدولية والقيم التي يجب أن تكون حاكمة لأي اختلاف، وخطاب آخر أقل ما يوصف به أنه يشيطن، وينشر ثقافة الكراهية مما يمزق وحدة المجتمع الخليجي الذي هو جزء أصيل من المجتمع العربي. قديماً كتب بعض العرب حول أدب الاختلاف، وهو وفق اعتقاد البعض موجه للأفراد وليس السياسة، لكن هل السياسة ليست إلا ما يتكلم به الأفراد الحاكمون الذي بين يديهم مقاليد الأمور؟ إن من المهم ألا يساهم إنسان اليوم في خلق تاريخ يتبرأ منه من سيأتي وسيقرأه كما نقرأ نحن تاريخ من سبقنا ونود لو أن بيننا وبينه أمداً بعيداً.

بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري