كتاب وأراء

لن نعتذر

حتى في أشد أحلامي هذيانا لم يخطر ببالي قط أن يأتي يوم وننقلب فيه كشعوب ضد بعضنا البعض بسبب حماقة البعض. حتى في أشد تخيلاتي جموحا لم أتوقع قط أن يتحول أهل وجيران تجمعنا وإياهم اشياء كثيرة، وتربط بيننا قرابة ومصاهرة إلى اعداء أو محايدين، لذا لم يعد مقبولا أن نرضى بالجلوس في مقعد الراكب في حين بإمكاننا القيادة، لم يعد مقبولا ان نتضاءل وننكمش لنرضي منتقدينا، ولم يعد ممكنا أن نتواضع لنزيد من غطرسة المتغطرس، وان نتجاهل البذاءات لنقلل من خسائرنا النفسية.. وأن.. وأن.. لقد حدث ما حدث وانتهى الأمر وأقولها عن اقتناع لن تعود الأمور على ما كانت عليه ببساطة، لهذا ولذاك لن نتعذر عن تألقنا.... عن تميزنا... عن الصدارة التي وصلنا اليها بجد واجتهاد لا عن طريق البغض والانتقاد،. لن نعتذر عن نجاحنا لنكسب ود فاشل... وعدو.. لن نعتذر عن إنجازاتنا. لن نعتذر عن أخطاء غيرنا... ولن نصبر على الوقاحة كما فعل أحد الخلفاء العباسيين مع شاعر وقح ولا يدري أنه وقح... الشاعر معروف ويدعى «علي بن الجهم» عاش في بيئة صعبة وقاسية وجافة، وكان يمتهن رعي الغنم، وخطر له ان ينظم قصيدة مدح قيل «المتوكل» وقيل «هارون الرشيد» وذهب اليه ليلقيها على مسامعه طمعا في مكسب كعادة الشعراء، فلما أذن له وقف ينشد بفخر: أنت كالدلو لا عدمناك دلوا -من كبار الدلاء عظيم الذنوب- وأنت كالكلب في حفظك للود -وكالتيس في مقارعة الخطوب! وهمّ القوم بالبطش به لولا ان الخليفة أدرك أن الشاعر لا يقصد الاساءة فمنعهم قائلا: «دعوه انه نتاج بيئته، ولا ذنب له في ذلك، خذوه، وتعهدوا بتثقيفه»
فذهبوا به بناء على أوامر الخليفة وأسكنوه قصرا يطل على نهر دجلة وتحيط به البساتين، وأطعموه ألذ الاطعمة، ونام على أفخر الرياش وانعمها. وبعد فترة احضروه للخليفة العباسي مرة اخرى فأنشد أبياتا ما زالت تجري على الالسنة وهي: يا من حوى ورد الرياض بخده وحكى غضيب الخيزران بقده دع عنك ذا السيف الذي جردته عيناك أمضى من مضارب حده. وليس من الممكن طبعا ان نختلق أعذارا للغدر وان نتعهد بتقويم اعوجاج من ينقصهم التهذيب والحكمة كما فعل هارون الرشيد، ولكن بإمكاننا تجاهلهم.. والمضي قدما.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري