كتاب وأراء

بترول القرن الحادي والعشرين

تعجبت حينما قرأت عن مشروع في بلجيكا يقوم على زراعة أشجار، ليمكن قطعها بعد قرن من أجل توفير الورق اللازم لطباعة كتب وصحف المستقبل، مما يكذب الدعاوى القائلة إن الكمبيوتر والشبكة العنكبوتية وتوابعهما عالم جديد يقوى وينتشر، وسوف يقضي لاحقا على عالم الكتب وكل المطبوعات.
الأشجار البلجيكية التي زرعت مؤخرا ليتحول لبها السليوزي إلى خامة الورق الأبيض الناصع توصف بأنها: «أشجار المعرفة»، وهو ما يؤكد على أن العالم الراهن لن يكف عن الاعتماد على الكتب الورقية، حتى بعد قرن قادم، وإلا ما أرهقت بلجيكا نفسها وزرعت عددا هائلا من الأشجار، لتنتظر جذوعها الثمينة التي ستتحول إلى ورق للكتب والصحف.
وما أقدمت عليه بلجيكا تعززه مشاهدتنا للأوروبيين والغربيين، وأيضا اليابانيين والصينيين، وهم يقرأون «كتب الجيب» التي يصطحبونها معهم ليقرأوها في حلهم وترحالهم، سواء على المقاهي أو المطارات، بل وحتى في حدائق عامة.
فكل شعوب العالم المتقدم لا تكف عن القراءة، ولم تؤثر التقنيات الحديثة على استمرارية هذه العادة التي لا شك أنها سر تقدم الشعوب والحضارات.
وكما هو معروف فإن دراسات أوضحت أن البقاء في حالة تحفيز ذهني من خلال القراءة والاطلاع وعدم الكف عن التزود بالمعارف، يبطئ أو يمنع حدوث الزهايمر وفقدان الذاكرة، فالمخ كأي عضلة في الجسم يحتاج إلى التمرين ليحافظ على قوته وصحته، لذلك القراءة تضاف إلى حل الألغاز وممارسة بعض الألعاب كالشطرنج وغيره يؤدي إلى هذا التحفيز، بل وكلما زادت المعرفة التي تمتلكها من خلال القراءة، زادت قدرتك على التعامل مع أي تحديات تواجهها، وبوسع المرء أن يجرب بالفعل أحواله العامة والصحية والذهنية وهو منتظم في الإقبال على القراءة، ثم وهو مقاطع الكتب والاطلاع، فسوف تشعره هذه المقارنة إلى تلمس فروقا جوهرية بين من يقرأ ومن يعاقر الجهل ويتعايش معه بلا حراك.
وبينما تنبت في إحدى غابات بروكسل «مكتبة المستقبل»، لا نبحث في بلادنا العربية عن أشجار مماثلة تنافس أشجار المعرفة البلجيكية، فلا أدري لماذا نهمل أشجار النخيل العربية، ونستبعد الثروة السنوية الهائلة من جريدها الذي أغلب الظن أنه يحتوي على قدر هائل من السليلوز القابل للتحويل إلى ورق، أو هكذا ينبغي للباحثين العرب أن يفيدونا من عشرات الملايين من أشجار النخيل التي يمكن مضاعفة أعدادها، لتوفير خامات الورق اللازمة لمكتبة المستقبل.
الأوروبيون لا يحفلون بشجرة النخيل كمصدر لخامات عدة، يمكن أن تنشأ عنها صناعات مهمة، لأنها لا تنمو في أراضيهم بمثل ما تجود زراعة النخيل في أراضينا، بل وحتى في صحارينا، ومن هنا ينبغي على العلماء العرب إخضاع هذه الشجرة المباركة: «النخيل» لمزيد من الأبحاث الجادة للإفادة من جريدها الذي تثمره سنويا في توفير خامات الورق، الذي تصنع منه الكتب والصحف، لتوفير المعرفة، التي صارت توصف في زمننا الراهن بأنها بترول القرن الحادي والعشرين.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي