كتاب وأراء

مبدأنا ثابت لا يقبل المساومة

كتبت في بداية الأزمة الخليجية وفي بداية الحصار الجائر على قطر قائلة: «عجزت الدول الشقيقة على مدى ستين عاما عن اتخاذ قرار لمقاطعة إسرائيل، ولكنها استطاعت في أقل من ساعة أن تتخذ قرارا بفرض حصار على قطر ليلا وتحت جنح الظلام، ولو أن هذه الدول الشقيقة التي فرضت هذا الحصار على قطر بدون داع، أو دواع، فعلت مع إسرائيل ما تفعله مع قطر لكانت فلسطين قد تحررت الآن».
ويشاء الله سبحانه وتعالى أن يضع هذه الدول الشقيقة في اختبار حقيقي هذه الأيام، وذلك عندما منعت إسرائيل يوم أمس الأول إقامة صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، أولى القبلتين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه للمرة الأولى منذ خمسين عاما، ولكن للأسف لم تخيب الدول ظننا فيها إذ أخفقت في الاختبار ولم تحاول حتى الحفاظ على ماء الوجه.
لقد ظننت لأول وهلة أن هذه الدول سوف تدعو على الفور إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس جامعة الدول العربية واتخاذ قرار حتى بمقاطعة إسرائيل ولا أقول حصارها، ولكن الكل بلع ريقه وسكت، بينما أصدرت قطر بيانا قويا شجبت فيه هذا الإجراء الإسرائيلي التعسفي بأقوى عبارات الشجب والاستنكار.
ومن المفارقات العجيبة أن موقف هذه الدول الشقيقة مع قطر هو رفض أبجديات قواعد حل المشكلات بين الدول، وهو الحوار والجلوس على مائدة التفاوض، ولا تزال تمضي قدما في الحصار رغم تأكدها بما لا يدع مجالا للشك أنها لو حاصرت قطر ألف عام فإن قطر لن تفرط في سيادتها ولن تقبل بالوصاية عليها، وهذا مبدأ ثابت غير قابل للمساومة.
لقد وقَّعت قطر مذكرة تفاهم لمحاربة الإرهاب مع أكبر دولة في العالم هي الولايات المتحدة الأميركية، وفي الوقت نفسه تظل هذه الدول الشقيقة باقية على موقفها، تتهم قطر بدعم وتمويل الإرهاب دون أن تقدم دليلا حقيقيا على ادعاءاتها، فهل بالله عليكم قطر توقع مذكرة تفاهم مع أميركا لمحاربة نفسها؟ إنه لموقف مضحك من هذه الدول، ولكن كما يقال في الشعر «ضحك كالبكاء» أو «شر البلية ما يضحك».
قطر تعرب دائما عن تثمينها لجهود الوساطة الكويتية والأميركية والألمانية والتركية وغيرها، وكل الدول التي رأت أن يكون لها دور في الوساطة أكدت قناعتها بأن الحوار هو الوسيلة المثلى لحل المشكلة، ذلك لأن الحصار لم يوقع ضررا بدولة قطر فقط، ولكن بقطاعات مختلفة في دول الحصار نفسها، ووفقا للقوانين الدولية من حق قطر الحصول على تعويضات عما لحق بها ومؤسساتها وأفرادها من أضرار، بينما لا تستطيع المؤسسات المتضررة في دول الحصار أن تطلب من حكوماتها تعويض خسائرها ولن توليها الحكومات أية اهتمامات، لذلك بدأت هذه المؤسسات تعرب عن تململها من سياسات بلادها، فالمعروف أن الاقتصاد اليوم هو عصب الحياة، وهو الذي يوجه بوصلة المواقف السياسية في دول العالم المتقدم.
يا ليت دول مجلس التعاون عامة تدرك أن دول الحصار خاصة تجلب على المنطقة الكثير من المشكلات والأزمات، وتتسبب في تدخل أطراف عديدة في الشؤون الخليجية، يا ليت هذه الدول تدرك أن المنطقة يكفيها ما فيها من توتر وقلق واحتقان، فتتخذ قرارا جريئا بحل الخلاف على وجه السرعة، فمثلما قررت في أقل من ساعة افتعال هذه الحالة من الأزمة والقلق والتوتر، والتسبب في النزيف الاقتصادي للجميع يمكنها في لحظة أيضا أو بين عشية وضحاها أن تتخذ قرارا برفع هذه الغُمة عن المنطقة، وتحويل قلق الأسر الخليجية إلى راحة نفسية، وإعادة اللحمة الخليجية التي طالما تغنى بها أهل الخليج أمام العالم في تاريخهم وأدبهم وتراثهم الموسيقي والغنائي إلى ما كانت عليه من وحدة الهدف والمصير.
بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي