كتاب وأراء

حيوية غونزاليس ترشحه لدور في المنطقة

بعد عشرين سنة من مغادرة منصبه رئيساً للحكومة الإسبانية مايزال فيليبي غونزاليس السياسي الاستثنائي يملأ الساحة السياسية الإسبانية. كان يحسب لهذا الإشبيلي الأنيق أنه وضع بلاده على طريق الديمقراطية، وكذلك قادها بخطى مدروسة نحو عضوية الاتحاد الأوروبي.
يعمل غونزاليس حالياً على عدة مستويات لمعالجة بعض المشاكل داخلياً وخارجياً ومايزال يقوم بوساطة نشطة وأطلق عدة مبادرات بشأن الوضع في فنزويلا. كما يعمل مع رئيس اوروغواي السابق خوسيه موخيك، الذي يعتبر أفقر رئيس في التاريخ، لمعالجة بعض مشاكل أميركا اللاتينية.
الجديد أن معلومات ترشح فيليبي غونزاليس 75 سنة ليلعب دوراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وإن كانت أوساط قريبة منه استبعدت أن يكون ذلك بتكليف من الأمم المتحدة، لكن في الغالب سيكون بتكليف دولي كما كان الشأن مع توني بلير عندما كلفته اللجنة الرباعية الدولية مبعوثاً لتحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط.
يعتبر فيليبي غونزاليس ظاهرة على الساحة الإسبانية والأوروبية، إذ برز نجمه بعد عودته من منفاه الفرنسي، وأصبح أبرز قادة الحزب الاشتراكي الإسباني وعمره آنذاك 35 سنة، ثم قاد الحزب باقتدار ليحتل المرتبة الثانية في الانتخابات التي جرت عام 1977، وما لبث أن احتل الحزب الاشتراكي الإسباني المرتبة الأولى في عام 1982 ليصبح أصغر رئيس حكومة في تاريخ إسبانيا وكانت سنه آنذاك 40 سنة فقط. بعد 14 سنة من المسؤولية سيغادر فيليبي غونزاليس رئاسة الحكومة عام 1996.
قبل فترة عندما طلبت صحيفة «البايس» واسعة النفوذ من غونزاليس أن يتحدث عن الأوضاع الاقتصادية في اسبانيا بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية، وهي أزمة جعلت بعض الإسبان يهاجرون جنوباً نحو القارة الإفريقية. اعتذر بلباقة، وقال «سيكون حديثاً خصماً على الماضي وعبئاً على الحاضر»
لا شك أن فيليبي غونزاليس، ويعد واحداً من أبرز الظواهر الصحية ليس على مستوى إسبانيا بل على مستوى القارة الأوروبية.
أتذكر في مطلع الثمانينيات، وأنا وقتها مراسلاً صحفياً أتلمس الخطى في دروب المهنة، كلفت بتغطية الحملة الانتخابية في جنوب اسبانيا ومرافقة فيليبي غونزاليس النجم الصاعد آنذاك. كان غونزاليس يتحرك في حافلة في مناطق الجنوب الإسباني، وهو نفسه من إشبيلية في جنوب اسبانيا، أفقر مناطق البلاد.
كانت قدراته القيادية واضحة، سياسي ماهر له كاريزما. كان أنيقاً وحيويته متدفقة، مظهره أقرب ما يكون إلى ممثلي السينما، له صوت جهوري عندما يخطب، كان خطيباً ساحراً لا يقرأ من خطب مكتوبة مقبولة في صياغتها، وإنما كلمات تتدفق لهباً وتتدحرج جمراً، وتحرك جمهوراً يتنفس آنذاك هواء تجربة تعددية سياسية منعشة. كان الجمهور التواق إلى سماعه يكتفي بترديد كلمة واحدة في إيقاع صاخب «فيلبي.. فيلبي.. فيلبي».
كان غونزاليس يعد الإسبان آنذاك بالانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة (الاتحاد الأوروبي لاحقاً) ويقول لهم «علينا أن نطوي السنوات التي بقينا نصدر فيها الخادمات إلى مطابخ الأوروبيين والزيتون إلى موائدهم، علينا أن نتحول إلى دولة مصنعة وسياحية، نريد سائحاً مقابل كل مواطن إسباني».
أوفى السياسي الأنيق بوعوده، حتى أصبحت إسبانيا سابع دولة مصنعة في العالم، ومن أكبر دول العالم استقطاباً للسياح. لم تعد بلد «الخادمات والزيتون» كما لم يعد الاسبانيون في جنوب البلاد يهاجرون إلى المغرب من أجل تربية الخنازير والعودة بها من جديد إلى الأسواق الإسبانية، أو العمل ماسحي أحذية في مدن شمال المغرب.
الآن انقلبت الأمور، يبحث المغاربة عن ثقب إبرة للهجرة إلى إسبانيا، في حين يأتي الإسبانيون أفواجاً ليس للعمل بل للتمتع بالمناطق السياحية المغربية.

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل