كتاب وأراء

من انقلاب تركيا إلى حصار قطر .. ماذا بعد؟

قبل نحو عام لم ينم الأتراك ومعهم كثيرون عشية الخامس عشر من يوليو، حيث المحاولة الانقلابية التي سعت لإعادة الجيش إلى مسرح السياسة والقضاء على تجربة ديمقراطية تشق طريقها في بحر متلاطم من التحديات الداخلية والخارجية.. لم ينجح الانقلاب وانتصر خيار الشعب والديمقراطية، بقي الرئيس المنتخب والبرلمان المنتخب، تضافرت جهود المدافعين عن الديمقراطية بوصفها خيارهم، مؤكدين أن صناديق الاقتراح وإرادة الأمة هي الطريق الأمثل لسياسة البلاد وإدارة شؤونها.
انتهى الانقلاب لكن ارتداداته لم تتوقف من حيث بقاء بعض الذين كانوا وراءه كمصدر تهديد وفق نظرة الدولة، فدخلت الدولة مرحلة التنظيف السياسي من جماعة فتح الله غولن، وخلال هذه العملية التي لم تتوقف بعد، زادت تحديات الدولة التركية في التخفيف من تبعات إجراءاتها والانتقادات التي يحاول البعض توظيفها لأجندات سياسية معينة.
بعد أقل من عام وفي تطور مفاجئ قررت أربع دول خليجية هي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة قطر، كما قررت فرض حصار على قطر يشمل البر والجو والبحر.. قرارات مفاجئة للمتابع لتطور العلاقات لا سيما بين الدول الخليجية الثلاث وبين قطر، حيث شاركت قطر في التحالف العربي في اليمن والذي أراد استعادة الشرعية، كما تطورت العلاقات بين الرياض وبين الدوحة، حيث شهد البلدان تبادلاً للزيارات متكررة بين قيادة البلدين وكبار المسؤولين.
لم تقف المفاجأة عند إعلان الإجراءات من قبل الدول الأربع، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة خلق تحالف ضد دولة قطر لم يكتب له النجاح، وتتابعت المفاجآت حين أعلنت دول الحصار مطالبها بعد حوالي أسبوعين من الأزمة وعلى خلفية ضغوط أميركية مطالبة دول الحصار بإعلان أسباب إعلان الإجراءات ضد الدوحة، أعلنت الدول ما أسمته شروطها وأمهلت قطر عشرة أيام للرد عليها متوعدة بإجراءات أخرى تصعيدية، فكانت المفاجأة كبيرة حين ظهرت تلك القائمة بثلاثة عشر بنداً، تتناول كليات، تتعارض مع حرية اختيار الدول أي دولة ومع سيادتها ومع حقها في بناء مصالحها وتعريف مصالحها.
ليس من اليسير الفصل الكامل بين انقلاب تركيا ومحاصرة دولة قطر، فالبلدان تربطهما علاقة خاصة واستراتيجية، كما أنهما متوافقان على احترام خيار الشعوب العربية التي اختارت التغيير بطريقة سلمية، ومتوافقان على دعم القضية الفلسطينية لا سيما ما يتعلق بالوضع الكارثي في غزة.
من هنا كان جلياً أن ثمة لاعبين لا يرغبون في الدور التركي ولا الدور القطري، وأمام عدم القدرة على إيقاف تفاعلات ذلك الدور للبلدين فلا بد من خلق معوقات تشغل البلدين وتحد من فعاليتهما الإقليمية والعالمية، هذا الحد من شأنه أن يسمح لخصوم تركيا وقطر أن يتمددا في برامجهما في إيقاف مسيرة التغيير التي بدأها الربيع العربي وتم إبطاء حركتها وحرف اتجاهاتها عبر الثورات المضادة.. حالة الإرباك التي أريد لها أن تُفرض على تركيا لم تنجح رغم التحديات الجديدة التي تبعت الانقلاب، فسرعان ما استجمعت الدولة قواها ومضت في طريقها من تعديل الدستور والاستمرار في سياستها الخارجية وحصد الحزب الحاكم مزيداً من الدعم الشعبي.. وفي نفس السياق وبعد مرور أكثر من شهر على محاصرة قطر لا يبدو أن تلك الإجراءات تركت أثراً يذكر.. إذ نشطت الدوحة في تفسير موقفها والتواصل مع لاعبين مهمين في الشرق والغرب، مختبرة عقدين من العلاقات من شركاء عالميين، والأهم ربما حالة التوحد الداخلي في المجتمع القطري حول قيادته ومنهجها والذي ربما كان خصوم قطر، يراهنون على عدم حدوثه.

بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري