كتاب وأراء

بين «المقولِبون والمتقولبون»

قد يحمل مفهوم «القولبة» عدة معاني وتعريفات في مختلف العلوم الإنسانية من علم النفس وعلم الاجتماع وعلم السياسة وعلم الإعلام، ولكن كل تعريفات هذه العلوم تلتقي في أن «القولبة» هي وضع معايير عامة نمطية يجب ألا يخرج عنها الشخص أو المؤسسة، وفي حال خروج الشخص أو المؤسسة عن هذه المعايير فهو وهي سيصبحان منبوذين عن البقية وسينقطع التعامل معهما.

سأركز في هذا المقال على عملية القولبة التي يمارسها المجتمع على أفراده، وعوامل قوة المجتمع في هذا الصدد ونتائج نجاح هذه العملية على الأفراد والمجتمع.

المشكلة أن المجتمع يسيطر عليه الأفراد الأكثر فراغاً، بمعنى أن كل وحدة مجتمعية يقوم بالسيطرة عليها الأفراد المتفرغون للعمل على السيطرة عليها، وفي الغالب فإن الأفراد المتفرغين فشلة! فتخيّل معي أن الفاشل- نتيجة فراغه- يمارس عملية القولبة على المجتمع لأن الأفراد الناجحين ليسوا متفرغين لمقاومة هذه العملية أو للقيام بعملية مضادة لها، فهم منشغلون بالسعي نحو النجاح وغير مستعدين للدخول في معارك جانبية.

فينقسم المجتمع بين الفاشل المتفرغ الذي يقوم بعملية القولبة، وبين الناجح غير المتفرغ لمنافسة الفاشل على هذا المجتمع، ليصبح جزء من هذا المجتمع مع الفاشل ويساهم بمحاولة السيطرة على الناجحين إما لبساطة تفكيره واقتناعه بحجج الفاشل، أو لحمله نفس شعور الفاشل المعادي للناجحين، ويصبح الجزء الآخر من المجتمع في صف الناجح، إمّا لاقتناعه بمنجزاته التي لم يستطع الوصول لها الطرف الآخر، أو لحمله نفس الشعور الإيجابي الذي يحمله الناجح.

ومع الأسف الشديد، كثيراً ما تنجح عمليات القولبة بنتائج دقيقة، فتذكر معي عزيزي القارئ، ألم يكن أحد زملائك في المدرسة مبدعا في أحد المجالات سواء الثقافية أو الرياضية أو غيرها، ولكنه مع التقدم بالعمر تخلى عن هذه الموهبة وعاش مع المجتمع حاله كحال البقية! هذا المبدع قتلت موهبته عمليات القولبة وحوّلته من مشروع قائد اجتماعي إلى فرد عادي في المجتمع، وهو يعيش بسلام ولا يرغب بمحاولة أخرى أو لم يعد يملك فرصة المحاولة الأخرى.

وكم من شخص زاملناه أو صادقناه وكان يتعرض لمحاربة من أقرانه وسخرية من موهبته لكنّه لم يلتفت لهذه الحرب واستمر حتى حقق النجاح الذي يريده، واليوم يقف نفس الأشخاص ويرفعون رؤوسهم للأعلى ويشيرون إليه بأصابع التعجب ويقولون: كنا نعرفه ونسخر منه، ولا نعلم كيف وصل إلى هذا النجاح. من هنا أدعو جميع الموهوبين والمبدعين ألا يلتفتوا لأي شخص- مهما ارتفعت مكانته- يحاول أن يقتل طموحهم وموهبتهم، وألا يضعوا شيئا في طريق أحلامهم إلاّ مخافة الله وطاعته.

والله ولي التوفيق

بقلم : صلاح العرجاني

صلاح العرجاني