كتاب وأراء

كيف تشكّل مفهوم السلام؟

بعد صراعٍ دام على موارد الحياة، بعد حروب ومجازر وحمامات دم، عرف الإنسان الحاجة للعيش بسلام.. أنه يمكنه بالعقل الحصول على أضعاف ما يحصل عليه بالناب والمخلب.. أنه (علينا أن نعيش معاً كإخوة أو نموت جميعنا كأغبياء) كما يقول مارتن لوثر كنج.

في الهند، ما قبل التاريخ، كان «أشوكــا ASOKA» حاكم الإمبراطورية الماورية، يتلمس قلبه الليّن، كلما رأى معوزًا أو ضعيفًا، وكان قلبه حيـــًّا.. بنى الملاجئ والمآوي، استراحات للمسافرين، أحب الشجرة وعرف أنها صديقة المسافرين فزرعها لهم في الطريق.. لأنه صديق الإنسان والأشجار والحيوان؛ قام بإصدار تعاليم تتضمن قيم التسامح والسلام وحقوق الحيوان، ونقشها على الصخر والأعمدة والمسكوكات.

في الإمبراطورية الرومانية، العصر الذي كانت مجالدات البشر وقتلهم بعضًا تحصل للتسلية وتمضية الوقت.. كان «شيشرون» الرجل الذي تألم، تقزز.. وتساءل: «أي تسلية يمكن أن تتسلى بها الروح الرقيقة الإنسانية حين ترى وحشاً شريفًا يطعنه الصائد في قلبه بلا رحمة، أو ترى إنساناً يمزقه وحش ضارٍ أقوى منه جسماً؟».

في العصور الوسطى، في أوروبا حينما كانت غارقة في العار والظلام، ضج الناس من الملك جون وسلطانه الجائر، أصدروا وثيقة العهد الأعظم أو ماجنا كارتا (MAGINA- CARTA) التي حاولت حماية سلامهم وقوت عيالهم من ضرائب الإقطاعي الباغي.

وعلى جانب آخر من خريطة العالم، خرج نبي كريم نادى بالسلام في جزيرة العرب، علّم الناس كيف يكونون أكثر رفقاً ببعضهم، بالشجر، بالحيوان وبالطير.. حذرهم من المثلة ولو بالكلب العقور.. جعلهم بعد الاحتراب والغزو إخوانًا مؤثرين ومتحابين..

في القرن «الخامس عشر» أوروبا المسيحية، تصرخ من تحت الأنقاض، جون لوك، لوثر كينج يقودان العالم لمفهوم «السلام» لاستحقاق البشر للوجود أيًا كان دينهم، عرقهم، ورأيهم.. ما قاد العالم على أعتاب القرن «السابع عشر» لتوسيع مفهوم جديد للمحبة والسلام، تفوق مفهوم التسامح، أكثر اتساعًا من مجرد تسامح مع الآخر لأنه مختلف، باعتبارك الواهب والأعلى.. بل تمددت إلى مفاهيم أكبر: التحضر والمدنية والتعددية.. التعددية التي تعني في معجم المصطلحات الاجتماعية: «تعدد أشكال الروح الاجتماعية في نطاق كل جماعة، وتعدد الجماعات داخل المجتمع وتعدد الجماعات نفسها، أما معجم المصطلحات السياسية فيعرف التعددية على أنها» من الناحية الاجتماعية تعني وجود مؤسسات وجماعات غير متجانسة في المجتمع المعاصر يكون لها اهتمامات دينية واقتصادية وإثنية وثقافية متنوعة، والتعددية من الناحية السياسية تصف مجتمعاً تكون القوة فيه موزعة بصورة واسعة على جماعات متعددة مرتبة في أنماط متنوعة للصراع أو المنافسة أو التعاون.

وبهذا تشكّل مفهوم للحياة «مع الآخر» في ذهنية الإنسان المعاصر، عبر سلسة من الإخفاقات والنجاحات، التضييق والتوسع، الاختناق وجرّ الأنفاس.. فهل انتهت القصة هنا؟ في الألفية الثانية بعد الميلاد؛ هل حصلنا على الكوكب المناسب لإنسان يريد أمانًا وسلامًا وحريةً؟ أم للقصة بقية؟

بقلم : كوثر الأربش

كوثر الأربش