كتاب وأراء

عبيد الدنيا

هناك ثلاثة أشياء حقيقية؛ الله.. وحماقة البشر.. والضحك..
كما قال الرئيس المغتال «جون كينيدي» الحقيقة الأولى لا تقبل الجدل، أما الثانية والثالثة فيمكن استبدال موقعهما، بحيث تصبح: «الضحك من حماقة البشر».. البشر الذين يكذبون ويصدقون أنفسهم.. الضحك من حماقة البشر الذين يتنعمون بكل ترف القرن الحادي والعشرين ومع ذلك يُنظرون ويتحدثون ويكتبون كما لو كانوا في العصور الوسطى، غافلين أو متغافلين عن أن الصوت والصورة والكلمة موثقة ومحفوظة ويمكن الرجوع إليها ونشرها في ثوانٍ معدودة!
أحد هؤلاء أفتى بأن زيارة الكنائس للسياحة حرام ولا يجوز وشرك بالله، وفي مشهد تليفزيوني موثق سابق أو لاحق نراه يصافح أحد العاملين في إحدى الكنائس ويشكره بابتهاج على السماح له بهذه الزيارة، هل من مفاجأة؟ بالتأكيد لا.. فهذه الأيام سمعنا وقرأنا وشاهدنا الكثير من دعاة إعادة عقارب الساعة للوراء الذين يكفرون الآخرين بأمر شفوي لنيل الرضا ويشيدون بآخرين أيضا بأمر لنفس السبب.. أخرجنا أحدهم من ملة الإسلام، وآخر وصفنا بالمنافقين، والخارجين والملعونين.. وهم في الحقيقة امتداد للشيخ أبوالسعود الذي أفتى للسلطان سليمان القانوني باغتيال ابنه البكر «مصطفى» دون محاكمة وأفتى بقتل بايزيد ابن سليمان القانوني لينعم أخوه سليم بالحكم بدون قلاقل، وفي المقابل نال العطايا والهبات وظل محتفظا بمنصبه الكبير لمدة ثلاثين عاما!
ويذكر التاريخ السلطان «أشرف أبو المعالي» الذي أراد أن يفطر في شهر رمضان، فقام باستدعاء العلماء والمشايخ وطلب منهم فتوى كاذبة تبيح له ذلك، في البداية رفضوا، لكن الخوف من المخلوق حل مكان الخوف من الخالق، وبعد محاورات ومناقشات توصلوا إلى حل، ليسافر السلطان لتفقد القلاع في الإسكندرية ودمياط وفي نهاية شهر رمضان يعود إلى قصره، فالسفر عذر شرعي يبيح الإفطار.. وهكذا حلت المعضلة.. وورد في كتاب «لحظة تاريخ» حكاية الخليفة «يزيد بن عبدالملك» الذي تولى الخلافة بعد العادل عمر بن عبد العزيز، وقرر أن يحذو حذو ابن عمه في الحكم، لكن المستفيدين من الظلم لم يمهلوه سوى أربعين يوما ليقيم العدل، وأرسلوا له أربعين شيخا وعالما، يحملون المصاحف والمسابح، تدل هيئتهم على الهيبة، وفي أيديهم فتوى مكتوبة تقول: «السلطان القوام «المصلي» لا يحاسب، والخليفة القادر لا يعاقب، وما يتحمله من أعباء الحكم يكفيه ويجعله بريئا وطاهرا أمام رب العالمين، إنه ظل الله في الأرض فكيف يحاكم ظله.. ليس على الخلفاء والسلاطين حساب ولا عقاب في الآخرة». ووجد هذا المرسوم هوى لدى الخليفة الشاب فترك العبادة والزهد وتفرغ للهو والمجون.
هؤلاء وأشباههم أشد خطرا على الإسلام من أعداء الإسلام كما قال الإمام «الغزالي» رحمه الله.. ولعل الحسنة الوحيدة التي تحسب لهم هي إعادة حس الدهشة لدينا، بعد أن ظننا أن لم يعد هناك في هذا العالم ما يدهش.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري