كتاب وأراء

هل بريطانيا دولة دينية؟

قد يبدو السؤال ساذجاً جداً. فصورة بريطانيا هي انها دولة علمانية مدنية تفصل تماماً بين الدين والدولة. ولكن مع هذه الصورة من المهم التوقف أمام الحقيقة الآتية.
وهي ان الملكة اليزابيث هي الرئيس الأعلى للكنيسة. وهي المسؤولة عن تعيين رئيس الأساقفة (كانتربري) وسائر كبار رجال الكنيسة الانجليكانية، في ضوء «نصيحة» يرفعها اليها رئيس الحكومة.
ثم انه يوجد في مجلس اللوردات 26 أسقفاً أعضاء في المجلس، يمارسون دوراً أساسياً في عمليات التشريع وسنّ القوانين.
ورغم ذلك فقد روى لي رئيس أساقفة كانتربري الدكتور جوستين ويلبي القصة التالية: كان أحد الأساقفة في شمال لندن يعظ في الكنيسة وندد بالشذوذ الجنسي. مستشهداً بآيات من الإنجيل لتعزيز وجهة نظره في إدانة هذه الظاهرة والمبتلين بها.
وفي اليوم التالي استدعته الشرطة للتحقيق معه حول صحة ما نسب اليه بالإساءة إلى ممارسي الشذوذ الجنسي من الجنسين، فأكد الأسقف «موقفه اللاهوتي» مستنداً إلى الانجيل ذاته. غير ان الشرطة اتهمته بانتهاك قانون صدر عن مجلس العموم البريطاني يعتبر ممارسة الشذوذ الجنسي نوعاً من أنواع التعبير عن الحرية الشخصية. وجرت محاكمة سريعة له. وحكم عليه بالسجن، ونفذ الأسقف العقوبة فعلاً.
وتعليقاً على هذه القصة قال لي رئيس الأساقفة الدكتور ويلبي: «لقد اصبح الدين معزولاً تماماً في بريطانيا.. وفاقد التأثير».
ولكن عندما كان توني بلير رئيساً للحكومة، أيد الاجتياح الأميركي للعراق في عام 2003، وشارك فيه على خلفية دينية، واذا كان الرئيس الأميركي جورج بوش اتهم الإسلام بالإرهاب اثر جريمة 11 سبتمبر 2001، فان بلير اعتبر تلك الجريمة «ترجمة لتعاليم القرآن».
وكانت صحيفة الصنداي تلغراف نقلت عنه قوله ان المسيحية علمته أن يعارض كل ما يقع في اطار المصلحة الشخصية الضيقة.
حتى رئيس الحكومة السابق دافيد كاميرون نفسه، وصف بريطانيا بأنها «دولة مسيحية» وذلك في مقال نشره في الصحيفة الانجليكانية «تشرش تايمز» قال فيه:» يجب أن نكون على ثقة أكبر كدولة مسيحية، وبصراحة، أن نكون انجيليين أكثر».
وقال في عيد الفصح 2014 «ان برنامجه للتطوير الاجتماعي له جذور إلهية». وقال أيضاً:«ان المسيح هو الذي اخترع (المجتمع الكبير) قبل ألفي عام وأنا أطمح في أن أرى المزيد منه».
ولكن ما ان انتشرت أقوال كاميرون هذه حتى تعرض لحملة انتقاد حادة. فقد نشرت صحيفة الدايلي تلغراف عريضة انتقادية وقّعت عليها 56 شخصية بريطانية من العلماء والفلاسفة وحملة جائزة نوبل للسلام، اتهمت رئيس الحكومة كاميرون «بالانحياز وتعريض المجتمع للتمزق».
واضطر كاميرون إلى التوضيح بأنه لم يكن يقصد ابداً التقليل من أهمية الأديان الأخرى أو اصدار أحكام بحق أولئك الذين لا يعتنقون أي دين.
غير ان الرئيس كاميرون نفسه الذي كان يتباهى بعقيدته الدينية المسيحية الانجيلية، وافق على اصدار قانون بإباحة زواج المثليين. وبسبب تلك الموافقة، تخلى الكثيرون من المسيحيين المحافظين عن تأييدهم له ولحزبه، وانضموا إلى «حزب الاستقلال» اليميني المتطرف.
هذه الصور المتناقضة إلى ان بريطانيا لم تصبح بعد مجتمعاً علمانياً كاملاً.. غير ان هويتها المسيحية بدأت بالتراجع. وكلما تراجعت هذه الهوية.. تتقدم الهوية العلمانية الرافضة للدين من حيث المبدأ والمتمردة عليه.. الأمر الذي يعرض المسلمين البريطانيين إلى المزيد من المتاعب.
بقلم : محمد السماك

محمد السماك