كتاب وأراء

حصاد الأزمة

لا يكاد يمضي يوم من أيام الحصار إلا ونكتشف أنه كان خيرا لنا، ولقطر، ولا يكاد يمضي يوم إلا وتتكشف معه حقائق ما كنا لنعرفها لولا حدوث هذه الأزمة التي جمعت كل من يعيش على أرض هذا الوطن الغالي في لحمة واحدة أثبتت للعالم كله أن قطر تحصد في هذه الأزمة ما زرعته على مدى عقود سواء قياداتها أم مواطنيها، وإن قطر منذ عقدين كاملين ويزيد كانت تزرع الحب، وتقدم السعادة للناس، ليس من منطلق كونها مجرد هواية بل توجه أصيل توارثه أهل قطر الطيبون منذ القدم، لذلك وقف أحرار العالم، والمتطلعون إلى مستقبل أفضل يلم شعث هذه الأمة بجانب قطر. وقد كشفت لنا هذه الأزمة حجم تعطش الشعوب العربية والمسلمة إلى حياة حرة، بعيدا عن الاستبداد، والظلم، وقمع الحريات، وسرقة الثروات، ومصادرة أحلام الشعوب بحياة كهذه، بينما فضحت هذه الأزمة المحاصرين أدعياء السعادة، وكشفت الكثير من الحقائق المفزعة والإرث الدموي الذي خلفوه في مناطق شتى من العالم الإسلامي، بل وفضحت إعلامهم المضاد الذي عكس الصورة الصادمة للشخصيات التي تديره، والتي تلونت ما بين الفجور في الخصومة، والكذب المضلل وما بين شطحات إعلامية لا يمكن أن توصف إلا بالكوميدية الاستحمارية التي لا تحترم وعي الشعوب وإدراكاتها، وقد اتضح لنا حجم ما يمكن أن يتسبب به الاستبداد من ضحالة أخلاقية، وهشاشة فكرية حتى عند أولئك الذين يدعون انتماءهم إلى طبقة المثقفين، وأصحاب الرأي. ولا شك أن أعداء الأمة قد رصدوا ذلك حتى علق المستشرق الصهيوني شلمو شامير بقوله «أنظمة الاستبداد مسؤولة عن عجز العرب عن الاندماج في عصر المعرفة».
دروس كثيرة خرجنا بها من هذه الأزمة، وقد تجلت لنا نقاط القوة، والإيجابيات الهائلة التي نتمتع بها شعبا وحكومة، ونقاط الضعف، والسلبيات التي علينا أن نعالجها في سبيل أن نستمر في طريق التطوير الحقيقي والمعرفي لنثبت مكانة قطر أكثر فأكثر، في عالم لم يعد فيه ميزان القوى لصالح المساحة الجغرافية الكبيرة، والعدد السكاني الهائل، بل بمقياس ما تقدمه الدولة وما يقدمه شعبها لنفسه، وللبشرية من حقوق، وحريات، وتقدم، وعلوم. وقد أصبحت قطر الآن بمساحتها الصغيرة، وسكانها القليلين نموذجا تتطلع إليه الأمم الأخرى، والشعوب المتعطشة للانعتاق من قيد العبودية الفكرية، والاستبداد، والتخلف مهما عيرها الأقزام والمتخلفون قياسا مع أوطانهم كبيرة المساحة، والعدد.. صغيرة الإنجازات، والوجود، والحريات.

بقلم : مها محمد

مها محمد