كتاب وأراء

العائق الوحيد أمام تعزيز العلاقات الروسية ـــ اليابانية

زمن الحرب الباردة واستقطاباتها لم يكن هناك مجال للحديث عن تعاون ثنائي بين الاتحاد السوفياتي واليابان، بسبب وجود البلدين في خندقين متضادين، ناهيك عن وجود خلافات حدودية قديمة بينهما. وكان المأمول بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أن تلجأ موسكو وطوكيو إلى إيجاد حل حضاري لتلك الخلافات المزمنة، وبالتالي إعادة تأسيس علاقاتهما البينية على أسس متينة، خصوصا وأنهما من الدول ذات الثقل في المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية.
وبالفعل لاحظ المراقبون منذ مطلع الألفية الجديدة ارتباط البلدين بأشكال من التعاون الاقتصادي والتجاري والتقني والأمني والثقافي والنفطي، ناهيك عن شروعهما في مشاريع استثمارية مشتركة، غير أن الطموحات السياسية لكل منهما، وعدم توقيعهما معاهدة سلام منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية أفسد علاقاتهما التي صارت متراوحة ما بين الهدوء تارة والتوتر تارة أخرى.
والجدير بالذكر أن المحور الرئيسي لخلافاتهما هو حق السيادة على جزر الكوريل التي تمتد لمسافة 1200 كلم ما بين شبه جزيرة كامتشاتكا الروسية وجزيرة هوكايدو اليابانية في اقصى شمال شرق آسيا. وهذه الجزر، التي تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 15.5 ألف كلم مربع ويسكنها أكثر من 20 ألف نسمة، تحتوي على ثروات كبيرة من النفط والغاز والمعادن ومخزون هائل من الثروات البحرية وتتمتع بموقع استراتيجي هام، لذا فليس من المستغرب أن يدور حولها صراع متوارث ومتجدد عبر الأزمنة.
ونقول متوارث ومتجدد لأن النزاع والتنافس حولها مر بتطورات عديدة. ففي منتصف القرن 19 عقدت «معاهدة شيمودا» التي أعطت جزر الكوريل الجنوبية لليابان وجزر الكوريل الشمالية لروسيا القيصرية فيما أبقت جزيرة سخالين تحت إدارة مشتركة. وبعد ذلك بعقدين من الزمن أبرمت «معاهدة سان بطرسبرغ» لعام 1875 والتي قبلت فيها روسيا التنازل لليابان عن كافة جزر الكوريل مقابل أن تحصل على حق السيادة على جزيرة سخالين فقط.
وخلال الحرب الروسية اليابانية (1904 ــ 1905) التي انتهت بهزيمة روسيا أحكمت اليابان سيطرتها على أراضي جزر الكوريل جنوب سخالين، لكن هذه الأراضي عادت إلى الاتحاد السوفياتي في عام 1945 أي خلال الحرب العالمية الثانية بموجب اتفاقيات مؤتمر يالطا.
أما في عام 1951 فقد وقعت اليابان المهزومة مع الحلفاء المنتصرين «معاهدة سان فرانسيسكو» للسلام التي تخلت بموجبها قسرا عن حقها في السيادة على جزر الكوريل، بينما امتنع الاتحاد السوفياتي عن التوقيع، الأمر الذي جعل اليابان تدعي لاحقا أن الأجزاء الجنوبية (أربع جزر:هابوماي، شيكوتان، كوناشير، إيتوروب) لسلسة جزر الكوريل هي ليست جزءا من جزر الكوريل التي تخلت عنها.
وفي سنة 1956 صدر إعلان مشترك من الحكومتين حول إعادة العلاقات الدبلوماسية، كما أعلنت موسكو موافقتها على إعادة جزيرتين من الجزر الأربع التي تطالب بها اليابان وهما «شيكوتان» و«هابوماي» شريطة التوقيع على معاهدة سلام رسمية تنهي جميع المطالبات، إضافة إلى إنهاء أي تواجد أجنبي على الأراضي اليابانية، غير أن طوكيو رفضت تحت ضغط حليفتها الأميركية التي كانت تخوض وقتذاك حربا باردة مع موسكو، حيث أعلنت طوكيو أن لا تقبل الشروط السوفياتية لأن لها حقوقا إقليمية وتاريخية في جزر الكوريل الجنوبية كافة بالإضافة إلى جزيرة سخالين.
مؤخرا عادت قضية جزر الكوريل وسخالين إلى الواجهة، ليس لأن جهاز الأمن الروسي أعلن عن إحباطه عملية كان تنظيم داعش الإرهابي ينوي القيام بها ضد مركز للنفط والغاز في جزيرة سخالين عبر أنصار له ينتمون إلى بلدان آسيا الوسطى، وإنما بسبب قرار موسكو تعزيز وجودها العسكري في جزر الكوريل بنشر فرق اضافية من القوات الروسية، وهو ما احتجت طوكيو عليه واعتبرته امرا مؤسفا، فسارعت موسكو إلى تذكيرها بأن جزر الكوريل أراض روسية.

بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني