كتاب وأراء

العرب بين صناعة الأمل وصناعة الألم

في التوقيت السياسي الراهن يطرح سؤال مهم حول ماهية الأمل والألم اللذين استطاع العرب تحقيقهما خلال حوالي قرن من الزمان؟ وحتى يمكن الإجابة عن هذا السؤال فلابد من مراجعة سريعة لأهم العلامات الفارقة التي قد تعين في توضيح ما يتعلق بهذا السؤال.
كان الاعتقاد أن الأزمة تتمثل في حكم غير العرب، وأن الأزمة هي الحكم بأساليب لم تعد تناسب العصر. فعصر السلطان أو الخليفة انتهى. المطلوب حكم عصري يتناسب وتغيرات الزمان التي فرضت نفسها على البشر بالضرورة. خيار الحُكم العصري تمثّل في الدولة التي سماها البعض قومية. هذه الدولة حاولت أن تتبنى معايير الحداثة في الدولة من حيث الدستور والسلطات والفصل بينها، خيارات ظاهرها حراك نحو الحداثة وباطنها حضور للماضي الذي طالما انتقد وأدين بوصفه عاملاً في التأخر وعدم النهوض عند العرب. كان الأمل في أن يكون الدستور والسلطات معابر نحو مستقبل مختلف للإنسان العربي يتمكن من خلاله أن يسجل حضوره في خريطة وسجل الإبداع الإنساني. لقد تحول الأمل إلى ألم حين تبين أن الدستور والسلطات لم تكن إلا وجهاً آخر لحكم الفرد أو السلطان لكن عبر أدوات جديدة جعلت الرعية مواطنين لم يجدوا أنفسهم إلا في كونهم رعية. لم تتوقف القصة عند هذا الأمر، بل تجاوزته إلى مرحلة لم يستطع المواطن الرعية أن يُعّرف نفسه إلا من خلال كونه تابعاً تتعزز مواطنته كلما تعمقت تبعيته لذلك الفرد الذي نجح في أن يسبل على نفسه وعلى من حوله وسم المؤسسية والشريك.
تكررت محاولة اللحاق بالأمل عند العرب، حين اعتقدوا أن نقل تجارب المجتمعات الأخرى الجاهزة قد يساعدهم في حرق المراحل واللحاق بركب الإنجاز ووضع أنفسهم على الخريطة. تحولت التجربة إلى أمل حين تبين أن استنساخ التجارب الجاهزة دون الاخذ بعين الاعتبار السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لم يؤد إلى تحقيق المراد، كما تبين أن تكلفة التغيير كبيرة بالنظر للاعتماد على أساليب يمتلك أدواتها وتفاصيلها آخرون عارفون بنواصي الأمور في حين أصاب العرب مستهلكون غير مهرة لبعض الأفكار.
زاد ألم العرب لا سيما في المشرق مع نكبة فلسطين التي تأثر بها الملايين من العرب، وتغيرت الأولويات في غياب مصداقية واستمرار للتبعية السياسية والمحاكاة الضآلة، فتراجع الأمل أمام تكرار الآلام في واقع العرب، واستمرت مسيرة الألم ويبدو أنها لم تتوقف لا سيما مع الحضور الحقيقي والمستمر لتبعات النكبة في المشهد السياسي العربي. تعززت الانقسامات حول كيفية التعامل مع القضية وهل الأولوية هي التنمية أم القضية، وأمام الانقسام السياسي تضاعفت الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وغزا الفساد بصنوفه واقع العرب حتى تراجعت أحوالهم عن أحوال الأتراك والإيرانيين.
فشل التحرير ولم تنجح التنمية، فاختار العرب في بعض أوطانه خياراً حسبوه مقدمة لأمل، كان ذلك الربيع العربي، محاولة للتغيير عبر المطالبة السلمية التي أقر بجوهرها القاصي والداني، ومع بعض النجاحات في بعث روح الأمل، ترصد له صانعو الآلام ووضعوا أمامه كل ما تيسر من معوقات سميت الثورة المضادة. لم يكتفوا بتلك الأوطان بل بكل من أظهر تعاطفاً معها أو حتى أولئك الذين لم يقفوا مع تلك الثورات المضادة. بعد تعميق حالة الفوضى السياسية في تلك الأوطان جرى التركيز على أولئك اللاعبين البعيدين جغرافياً، فكانت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا امتدادا لحالة التصفية السياسية للحراك السياسي في اليمن وسوريا وليبيا وتونس وصولاً لأزمة الخليج الأولى في القرن الحادي والعشرين وتحديداً في العام 2013-2014 وأزمة الخليج الثانية المتفاعلة حالياً. كل ذلك يؤكد وبشكل مؤسف جداً أن في واقع العرب اليوم إبداع في صناعة الألم واخفاق عميق في صناعة الأمل.

بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري