كتاب وأراء

جامعة الدول العربية وأزمة حصار قطر

يبدو لي أن الأزمة الناجمة عن فرض الحصار على دولة قطر كاشفة لأمراض مزمنة يعاني منها الجسد العربي كله، وليس فقط مجلس التعاون الخليجي، ومنذ فترة ليست بالقليلة، أكثر من كونها أزمة منشئة لأمراض جديدة يخشى من تعرض الجسد العربي أو الخليجي للإصابة بها. تلك حقيقة تستدعي التوقف عندها بقدر أكبر من التأمل للتعرف على دلالاتها ولاستخلاص الدروس المستفادة منها.
قد يقول قائل أنها أزمة تخص مجلس التعاون الخليجي بأكثر مما تخص جامعة الدول العربية، ومن ثم فإن التحرك المطلوب لاحتوائها أو لمعالجتها ينبغي أن يتم عبر مبادرة خليجية وليست عربية. غير أن هذا قول مردود عليه. فمن ناحية، تعد جامعة الدول العربية هي التنظيم العربي الأم الذي يضم في عضويته جميع الدول العربية، بما فيها الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي نفسه، فضلا عن أن العضوية في جامعة الدول العربية تسبق، من ناحية أخرى، عضوية مجلس التعاون الخليجي بزمن طويل، وهي حقيقة ينبغي أن تذكرنا جميعا بأن الجامعة العربية هي الأصل وأن مجلس التعاون الخليجي هو الفرع.
على صعيد آخر، يبدو واضحا أن الحصار المضروب حول دولة قطر لم يفرض لا بقرار من مجلس التعاون الخليجي ولا بقرار من مجلس جامعة الدول العربية، وإنما بقرار من بعض الدول الأعضاء. ولأن قرارات مجلس التعاون الخليجي تتخذ بإجماع الدول الأعضاء، باستثناء الدولة المستهدفة، والتي يفترض كقاعدة عامة ألا تشارك في التصويت، فقد استحال على الدول الراغبة في فرض الحصار على قطر ان تسعى لاستصدار قرار بهذا الشأن من مجلس التعاون الخليجي، نظرا لإدراكها استحالة تأمين موافقة دولتي الكويت وسلطنة عمان. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن حجم العوار الكامن في مؤسسات وآليات صنع القرار في مجلس التعاون الخليجي لا يقل بأي حال من الأحوال عن مثيله في جامعة الدول العربية.
في سياق كهذا، لم يكن غريبا أن تصاب جامعة الدول بشلل تام يجعلها عاجزة عن القيام بأي دور له قيمة للتأثير على مسار أزمة حصار قطر. فرغم مرور أكثر من شهر على اندلاع هذه الأزمة، ما تزال جامعة الدول العربية في حالة غيبوبة. وباستثناء تصريحات هنا وهناك أدلى بها أحمد أبو الغيط، من قبيل التعبير «عن الأسف لوصول الأمور إلى هذه النقطة»، أو عن «الأمل في تجاوز الأزمة قريبا» و«مناشدة الأطراف المعنية التمسك باتفاق 2014»، وكلها تصريحات لا تسمن ولا تغني من جوع، لم يتمكن الأمين العام لجامعة الدول العربية من التقدم بأي مبادرة تستهدف احتواء أو حلحلة الأزمة.
حين تأسس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، في وقت كانت فبه العراق وإيران مستغرقتان بالكامل في حرب تواصلت بينهما لأكثر من ثمانية أعوام، تصور البعض أن بمقدور هذا الكيان الجديد طرح نموذج يحتذي لمنظمة عربية فرعية اكثر تماسكا وقدرة على الإنجاز، ثم راح هذا الاعتقاد يترسخ حين صمد هذا المجلس في وجه أعاصير عربية كثيرة جمدت أو أطاحت بمنظمات فرعية مشابهة، كاتحاد المغرب العربي أو مجلس التعاون العربي. غير أن أزمة الحصار المفروض على قطر جاءت لتذكرنا من جديد ببديهية كاد العالم العربي أن ينساها. فالفرع لا يستطيع النمو بمعزل عن الأصل والجذر، والجسد لا يستطيع أن يحيا بدون الرأس، والعكس صحيح. لذا، لن يكون بوسع دول مجلس التعاون الخليجي ان تحقق أمنها واستقرارها بمعزل عن أمن واستقرار العالم العربي ككل، كما لن يكون بوسعها ايضا تحقيق النمو والازدهار إن هي تصرفت كناد «للأغنياء فقط» في محيط عربي أوسع يمسك الفقر بتلابيب شعوبه من جميع الجهات، وهذا هو الدرس الذي يتعين استخلاصه من الأزمة الراهنة.
لن ينصلح حال مجلس التعاون الخليجي إلا إذا انصلح حال الجامعة العربية أولا.

بقلم : د. حسن نافعة

د. حسن نافعة