كتاب وأراء

ما بعد حصار قطر

ليس مدار الحديث هنا الحصار وأسبابه أو ما سيترتب عنه من نتائج مباشرة بل مدار الحديث هنا عن الشرخ الكبير الذي أحدثه إعلان الحصار بين شعوب المنطقة. فالثابت الأكيد هو أن ما بعد الحصار لن يكون كما قبله وذلك لأسباب كثيرة أهمها.
أولا : تمثل تجربة الحصار تطورا خطيرا جدا في بنية العلاقات العربية العربية وخاصة منها العلاقات الخليجية البينية التي حافظت خلال عقود طويلة على صلابتها الظاهرية على الأقل مقارنة بتصدع النسيج العربي في أماكن أخرى كثيرة. لا نقصد بهذا التصدع بنية العلاقات السياسية والمؤسساتية للدول العربية المعنية بمسألة الحصار بقدر ما نقصد بها أثر الأزمة الأخيرة على العلاقات بين شعوب المنطقة وعلى مكونتها الاجتماعية.
ثانيا : أظهرت أزمة الخليج الأخيرة تباينا كبيرا بين القرار السياسي العلوي وبين ردّ الفعل الشعبي الذي ظهر واضحا عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فقد ضجت مواقع التواصل وخاصة مساحة تويتر منذ بداية إعلان الحصار بردود الأفعال المستنكرة للفعل خاصة مع ارتباطه بشهر رمضان. وتتالت الموجات الشعبية الرافضة لقرار الحصار والمقاطعة في تمايز كبير مع القرار السياسي خاصة للدول التي أعلنت الحصار وطبقته.
ثالثا : تميز الموقف الدولي بالتردد رغم الاتفاق شبه الكامل على إدانة فعل الحصار لا بما هو خرق للقانون الدولي وللأعراف الدبلوماسية فقط بل بما أنه فعل عدواني لا تقرّه العلاقات التاريخية والحضارية التي تربط مجتمعات المنطقة ومكوناتها البشرية. فبقطع النظر عن موقف البيت الأبيض المرتبط حتما بالصفقات التي أبرمها الرئيس ترامب مؤخرا في الرياض فإن كل المواقف الدولية الهامة تميزت بالتحفظ المُدين الذي عبر عنه رئيس الدبلوماسية الأمريكية عندما وصف شروط رفع الحصار بأنها «مستفزة «.
مهما كانت مخرجات الحصار ومهما كان الحل الذي سيتوصل إليه الاخوة في صراعهم الأخير فإن أهم ما يجب التسريع بمعالجته هو الإرث الثقيل لهذا الفعل الكارثي الذي أحدث شرخا كبيرا في البنية السياسية للبيت الخليجي والذي يُخشى أن تمتد آثاره إلى النسيج الاجتماعي لدول المنطقة.
النظام السياسي العربي أصبح من أخطر المكونات التي تهدد وحدة الشعوب العربية بخلق الأزمات وتعميق جراح الأمة. فلم يعد مطلب الشعوب من النظام السياسي إيجاد حلول لمشاكلها الاجتماعية والاقتصادية بل صار المطلب الأساسي كف الأذى والتوقف عن خلق الأزمات وإهدار الثروات الوطنية وقطع الأرحام في الأشهر الحرم.

بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد