كتاب وأراء

كان لابد أن يحدث..!

لن نعدم النتائج لو بحثنا عن السر الذي يدفعنا للإمام، للتقدم، لأن نضاعف من سعادتنا، تعليمنا، مدخولنا ورفاهيتنا. لكن تخيل أن تصل لأوج تفوقك، جمالك، ثرائك، وشهرتك. ثم تقرر أن تضرب بكل هذا عرض الحائط وتختار بمحض إرادتك نهاية مفجعة.

ما الذي دفع «سعاد حسني» لإنهاء حياتها ملقية تاريخها الفاتن من بلكونة في أحد أحياء لندن، بعيدا عن دفء القاهرة وصخب الشارع المصري؟ كيف توّج مارادونا كرنفال الذهب وهدفه الخالد، الذي سمي هدف القرن العشرين بالدمار؟. كيف ختم هذا الطريق المرصوف بالبطولات، بالاستستلام لهاوية المخدرات، مالذي جرّ قدمه الساحرة إلى نفق الإدمان بدلا من صندوق الست ياردات؟ وما الذي كان يفكر به فيكترو ماير، عالم الكيمياء الذي اكتشف «الثيوفين» لأن يدلق في جوفة السم، وينتهي للسكون الأبدي؟ آرنست همنغواي، صاحب نوبل 1954، الرأس النابضة بالقصص والشغف اللامنتاهي بالحكايا، والممتد لعوالم عبرت القرون، وتعدت الصفحات البيضاء للحياة وراء كاميرات هوليود، ما هي اللحظة التي قرر فيها أن يفرغ مسدسه المحشو في الرأس المذهلة ذاتها؟

فينيست فان غوخ، مي زيادة، الأختان ثريا وجمانة، سيدتا الأعمال، إحداهن كانت ضمن أقوى امرأة عربية 2014. نجوم شعّت في سماء المجد برهة ثم انطفأت وتلاشت، قبل أن توشك للوصول، عادت لنقطة الصفر من جديد. هل كان يمكن تغيير هذه النهايات البائسة، لنهاية أكثر تشريفًا وفخرًا؟

لنترك أرواح هؤلاء تستريح الآن، ولنتحدث عن الحياة، الحياة بوصفها واقعا حقيقيا أو مجرد تمثيلية مزيفة. من السهل أن تشتري أثاثاً رائعا، يجعل الداخل للبيت يصاب بالدهشة والانشراح. لكن، هل يمكنك تأثيث داخلك بجمال حقيقي؟ أعني بالحقيقي أنه متجانس مع جوهرك، بغض النظر عن البيت الذي تسكنه، والساعة التي ترتديها، وماركة حقيبتك وقيمة سيارتك؟ ذاتك التي تشع من عينيك كما يقول باولو كويلو.

إن السلام الداخلي والطمأنينة لا يمكن وضعهما كالمساحيق على الملامح الظاهرية. إنه شعور عميق بالتسليم، ولابد أن أركز على الفرق بين التسليم والاستلام. التسليم هو أن تحب ما لديك، دون أن تملكك الأشياء، بل إنه من السهولة التفريط بها لخيار أفضل دائمًا. أو لمكسب معنوي خاص أو عام. لكن الاستسلام ضد المثابرة والصلابة تجاه تحقيق المزيد من المكاسب، وعلى جميع الأصعدة.

أن نكون حقيقيين، يعني أن نتصرف وفق منظومة واحدة من السلوكيات، سواء فوق المنصة أو في المطبخ، أمام الجمهور أو على الطريق مع عامل النظافة. وحين تصل لهذا التجانس والتناغم الجميل بين ظاهرك وباطنك تكون ذاتك حقيقية. ويكون فرحك وحزنك نابعان من وجدانك دون أنتظار لأحكام الآخرين، دونما قلق من انعكاس موجاتك على صفحات الناس.

المزيفون قد يبهرونك، تشعر أنهم كاملون، تتسائل مع نفسك: هل يشعرون بالندم والذعر والملل والآنكسار مثلنا؟ تفكر مليون مرة في ملامحهم الباسمة دائما، حماستهم الأخاذة، هل يمكن أن تنطفئ؟ تعتقد أنهم منيعون ضد اليأس والحيرة والتعاسة. لكنهم في الحقيقة منطفؤن، نادمون، يشعرون بالتعاسة كما لو كانت مغصا دائما، يحول حياتهم لجحيم. جحيم مزين بزهور الجنة. جحيم يصرخ بداخلهم، يبحث عن كوّة للخروج. للتعبير عن ذاته الحقيقية. حتى إذا ما أتت نهاياتهم خلاف ماكنا نتوقع. أصابنا العجب: ماذا حدث؟

في الحقيقة لم يحدث شيء جديد. بل تلك الأشياء القديمة والمدفونة بالداخل، ظهرت الآن. الصرخة العميقه تفتقت وحسب. البركان الخامد ثار بغتة وفضحهم.

هل كانوا يخدعوننا؟ هل كان منعطفا؟ أم أنهم كما قال عبد القدوس: أنا لا أكذب ولكني أتجمل..

لا أدري!



كاتبة سعودية

بقلم : كوثر الأربش

كوثر الأربش