كتاب وأراء

ماكرون .. هل بدأ الحلم الفرنسي يتبدد ؟


«ماكرون منقذ أوروبا؟!» هكذا عنونت صحيفة «ايكونوميست» غلافها غداة فوز الشاب ايمانويل ماكرون (39 سنة) بانتخابات الرئاسة الفرنسية بفارق كبير (66 %) ضد منافسته مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن (34 %). حصل هذا منذ نحو شهرين فقط (7 مايو الماضي)، كما أن حزب ماكرون الحديث العهد («إلى الأمام») حصل على أغلبية كاسحة في الانتخابات البرلمانية (350 مقعدا من أصل 577) التي جرت قبل نحو ثلاثة أسابيع.
انتخاب ماكرون شكل إلى حد ما مفاجأة جاءت بعكس التيار اليميني والانطوائي الذي يعصف في أوروبا والغرب عموما في السنوات الأخيرة. من بريطانيا، حيث انتصر خيار الخروج من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي جرى قبل عام، إلى الولايات المتحدة بفوز دونالد ترامب بالرئاسة، ناهيك عن «الشظايا» التي طالت إيطاليا وإسبانيا وحتى بعض أوروبا الشمالية.
إذا ماكرون الأوروبي الهوى، والصاعد من خارج الاصطفاف التقليدي بين الاشتراكية والديغولية في فرنسا، أنعش آمال المؤمنين بخيار أوروبا الموحدة والأوساط الاقتصادية والمالية لدرجة أن «ايكونوميست» وصفته بـ«منقذ أوروبا». فأين هو اليوم من هذا الآمال المعقودة عليه، ومن الشعارات التي رفعها خلال حملته الانتخابية؟ أم من السابق لأوانه إجراء تقييم لأدائه وسياسته.
لا شك أن ماكرون المرشح هو غير ماكرون الجالس على كرسي رئاسة واحدة من بين أهم الدول الخمس أو السبع في العالم، وهو بالأخص جديد على عالم السياسية وفي جعبته فقط منصب وزير اقتصاد في الحكومة ما قبل الأخيرة من عهد سلفه الاشتراكي فرنسوا هولاند. وهو لم يُنتخب يوما ولم يعرف الحياة البرلمانية، وفجأة يجد بين يديه أكثرية برلمانية معظمها وجوه جديدة تلج لأول مرة عتبة الجمعية الوطنية (البرلمان). وهو الآن يختبر المسؤولية مستفيدا من فترة السماح الداخلية، فيما الآخرون يختبرونه في موقع المسؤولية يواجه التحديات الدولية، وتحديدا الشرق الأوسط بعناوينه الثلاثة المتداخلة والمتشابكة، الحرب السورية والإرهاب والنازحين. وعينه في الوقت نفسه على جارته ألمانيا، الدينامو المحرك لسياسة أوروبا الاقتصادية والذي ينظر بعين الريبة إلى سياسة الإدارة الأميركية الجديدة.
يقول المثل: «رؤية روما من فوق غير رؤيتها من تحت»، أي أن عالم من دون حروب ونزاعات تسوده الحرية والعدالة والمساواة (شعارات الثورة الفرنسية) ترجمته على أرض الواقع أمر مختلف تماما. وأول تعثر واجهه الرئيس الجديد هو في معالجة مشكلة سياسية وإنما أيضا ذات طابع إنساني هي مسألة اللاجئين القادمين من كل حدب وصوب، من بلدان حيث يسود الفقر والتخلف والقمع والحرمان على مختلف أنواعه. فما تقوم به الشرطة الفرنسية يختلف تماما عما دعا له ماكرون، فهي لا تسهل دخول أفواج اللاجئين المكدسين على حدودها من ألمانيا وإيطاليا.
وبالأمس، فاجأ ماكرون العالم عندما أعلن أن رحيل بشار الأسد ليس شرطا مسبقا لأي حل «لأن أحدا لم يقدم لي بعد بديلا عنه» معتبرا أنه «عدو لشعبه وليس عدوا لفرنسا». وهذا موقف يتناقض مع مواقف فرنسا التي طالبت باستمرار منذ اندلاع الثورة برحيل الأسد، كما أنه يتناقض مع ما أعلنه ماكرون نفسه خلال الحملة الانتخابية. غير أنه يلاقي في المقابل موقف ترامب عندما يعلن استعداده للرد في حال استعمل الأسد السلاح الكيماوي.
فماذا فعلت فرنسا وغيرها من الدول للمساعدة على بلورة بديل حقيقي للأسد؟ وهل الردع يكون قبل أم بعد وقوع الكارثة؟
داخليا أيضا، لم يف ماكرون بما وعد به بانتخاب امرأة رئيسة للبرلمان، وفضل عليها اشتراكيا سابقا نال في الانتخابات التمهيدية للفوز بالترشح للرئاسة أقل من 4 في المائة. وفي ما يخص إجراءات محاربة الفساد، اضطر وزير العدل الجديد وحليف ماكرون الانتخابي إلى الاستقالة بسبب فضيحة تشابه تلك التي طالت مرشح اليمين السابق إلى الرئاسة فرنسوا فيون، فيما تم تأجيل فرض ضرائب على الأصول إلى 2019.
أن ما ينتظره الفرنسيون من ماكرون كثير والطريق لايزال في بدايته.

سعد كيوان