كتاب وأراء

الخليج وفن إدارة الأزمات .. ضرورة ترسيخ ثقافة الحوار

لا أتصور كما لا يتصور الكثير من المحللين والمراقبين للأزمة التي تمر بها دول مجلس التعاون الخليجي، أن رفض الحوار والتفاوض، والتصعيد في إجراءات المقاطعة وتضييق الحصاروفرض المقاطعة على دولة قطر وشعبها، يخدم المصالح الخليجية والعربية والإسلامية والدولية.. قدمت الدول الخليجية المقاطعة مطالبها الـ 13 التي وصفت بأنها غير واقعية ويتعذر تنفيذها جميعاً.
والمفترض في كافة الخلافات بين الدول والتي يعقبها مطالب معينة تمهد للتفاوض وصولاً لحلول توافقية، أن تكون هناك مرونة تفسح المجال للحوار والتفاوض، أما إغلاق الباب ورفع شعار، مطالبنا لا تقبل التفاوض، فهذا تعنت لا يوصل إلى أي حل، ولا يساعد على حسن إدارة الاختلاف بين الأشقاء، ولا حل الأزمات بين الدول.
علينا، أهل الخليج، أن نعترف بشرعية الاختلاف، فالخلاف طبيعة الحياة حتى بين الأشقاء، لذلك علينا أن نحسن إدارة هذا الاختلاف، بهدف تحجيمه، تفادياً للصراعات التي تجلب الأضرار السياسية والاقتصادية والأمنية على أوطاننا وشعوبنا.
إننا بحاجة وبخاصة في هذه الأيام العصيبة التي تمر فيها دول مجلس التعاون الخليجي، إلى ضرورة ترسيخ ثقافة الحوار، منهجاً وأسلوباً في حل خلافاتنا السياسية والاجتماعية والمذهبية، وإدارة الأزمات بما يجنب المجتمع الخليجي تداعياتها الضارة، وترسيخ كل ذلك في نفوس وعقول الناشئة والشباب، كما تفعل الدول المتقدمة في إدارة نزاعاتها، وصولاً إلى حلول توافقية سلمية تجنبها الإضرار بمصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، كما تجنب شعوبها الآثار السلبية.
إدارة الأزمات بما يحقق مصالح الأطراف المتنازعة، وبما يجنب دول مجلس التعاون الخليجي وأهل الخليج، مغبة القرارات المتسرعة والنابعة من ردود الفعل، فن، يجب أن يتقنه ويلتزم به المسؤولون وبخاصة من يعمل في المجال السياسي والديبلوماسي، فليس من أصول إدارة الاختلاف، أن يأتي تصريح وزير خارجية المملكة العربية السعودية، بأنه لا تفاوض مع قطر في قائمة المطالب، رداً على تصريح وزير خارجية دولة قطر، بعد لقائه بوزير خارجية أميركا، بأن دولة قطر والولايات المتحدة الأميركية متفقتان على وجوب أن تكون المطالب عقلانية..ومتفقتان على أن دولة قطر ستنخرط في حوار بناء مع الأطراف المعنية إذا أرادت الوصول إلى حل وتجاوز هذه الأزمة.
إن تصريح وزير الخارجية السعودي لا يساعد على حل الأزمة، فلا يوجد في عالم النزاعات الدولية، مطالب أوشروط غير قابلة للتفاوض، لذلك أحسن وزير خارجية قطر، في رده على هذا التصريح بقوله: سمعنا تصريحات مفادها أن هذه المطالب غير قابلة للتفاوض، لكن هذا مخالف لأسس العلاقات الدولية، يتم تقديم قوائم ويتم رفض التفاوض!
ختاماً: إن دولة قطر أكدت أنها مع الحوار والتفاوض والتهدئة، ولذلك اتسم ردها في مواجهة إجراءات التصعيد، ومنذ البداية بالتوازن والاعتدال وعدم رد الإساءة بالإساءة، فلم تمنع مواطني دول المقاطعة، ولا طلبت منهم المغادرة، انطلاقاً من أن البديل لرفض الحوار والتفاوض، كارثي على الجميع، يدفع ثمنها المواطنون الخليجيون، إضافة إلى أن المنطقة لا تتحمل أزمات جديدة في مثل هذه الظروف المحيطة بالخليج حيث تمثل دول مجلس التعاون نقطة استقرار وتوازن في المنطقة، كما أنه لا يمكن في عالم العلاقات الدولية، أن تقدم مطالب غير قابلة للحوار والتفاوض، إلا من منطلق الاستعلاء وفرض الوصاية، وهما غير مقبولين في عالم اليوم، لذلك كان وزير خارجية قطر محقاً حين قال: فرض المطالب غير القابلة للتفاوض ليس طريقة متحضرة لحل الأزمات. وطرح تساؤلاً: إذا كان هناك توجه لعدم خوض مفاوضات بشأن الأزمة، فما الداعي لإصدار مثل هذه القائمة؟!. إن قطر متمسكة بأسلوب الحوار والتفاوض حلاً للأزمة الخليجية، وحفاظاً على تماسك البيت الخليجي وصيانة مستقبله، في عالم لا يعمل حساباً إلا للكيانات المتماسكة، لذلك هي لن تقابل الإجراءات التصعيدية ضدها وضد مواطنيها من قبل أشقائها إلا بالأسلوب العقلاني المتحضر، وبالإحسان، فهذا من السمات الأصيلة للمجتمع القطري ودولته، انطلاقاً من قوله تعالى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم..صدق الله العظيم .

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري