كتاب وأراء

المغرب : حراك اللغة .. حراك الواقع

ربما هو فيكتور هيغو من قال: «عندما تقع الثورات انتبهوا إلى المعاجم»، في المغرب لم تقع ثورة، لكن احتجاجات الريف استطاعت خلخلة المعجم!
ذلك أن الحراك الواقع ارتبط منذ البدء بحراك اللغة، فجزء كبير من مسار بناء الهوية الاحتجاجية وتعزيز قدرتها التعبوية، ترسخ بالأثر السحري لبعض التعابير التي اشتهرت سواء في لحظة انطلاق الاحتجاج أو في أوج تصاعده.
في سياق ذلك، كنا قد وقفنا على الاحتجاج وهو يتحول، كذلك، إلى ظاهرة لغوية محملة بالكلمات والرموز والشعارات والعناوين التي تخترق ملامح الخطاب وجغرافية الاحتجاج (تسمية ساحات مدينة الحسيمة من طرف قيادة الاحتجاج كشكل من أشكال إعادة الامتلاك الرمزي للفضاء والمدينة).
في قلب كل ذلك توجد بالقطع كلمة «الحراك” نفسها!
أحد الباحثين المغاربة في اللسانيات،اعتبر أن مصطلح «الحراك»، هو «وافد جديد» من المشرق، كما أنه غير سليم من حيث الصياغة اللغوية وقواعد الاشتقاق. أبعد من ذلك سيذهب باحث آخر،في تجاه التنقيب عن حفريات الكلمة، لكي يصل إلى ربطها بأحداث اليمن للعام 2007 مع مطالب استقلال الجنوب، دون أن يستطيع الحسم ما إذا كان الفاعلون أنفسهم من نحتوا المصطلح للدلالة على ديناميتهم السياسية، أم إنه ولد في سياق التغطيات الإعلامية للحدث.
وإذا كانت بعض الأدبيات العلمية أو المدنية التي انشغلت بتفاعلات أحداث الحسيمة، قد فضلت الوقوف على ضفة «الحياد اللغوي»، حيث اعتمدت مثلا «المبادرة المدنية لأجل الريف» في تقريرها مصطلح «الحركة الاحتجاجية المطلبية» للدلالة على الأحداث، حيث لم تأت على ذكر كلمة «الحراك» إلا منسوبة إلى تعبير المشاركين في الاحتجاج، فإن وثيقة «تقدير موقف» التي أصدرها المركز العلمي «مغارب»، قد فضلت توصيف الدينامية التي فجرها حدث الموت المفجع لمحسن فكري بنفس عنوانها الحركي والإعلامي: «حراك الريف»،وهو الأمر نفسه الملاحظ في كثير من بيانات التضامن الموقعة من طرف مثقفين أو باحثين، وإن كان من الطبيعي هنا أن يتحول «التبني اللغوي» إلى جزء من التضامن السياسي.
على أن العحيب هو أن كلمة «الحراك»، قد تسربت إلى اللغة القضائية المعروفة بحرصها على الدقة والشكلانية في تدبير معجمها الخاص، وهكذا تضمن مثلا قرار محكمة النقض بإحالة ملف قضية رفاق الزفزافي إلى محكمة الاستئناف بالدارالبيضاء؛ كلمة الحراك، بل إنها تكررت ثلاث مرات في نص القرار.
ربما، لم ينتبه مدبجو هذا القرار القضائي إلى مكر اللغة!

بقلم : حسن طارق

حسن طارق