كتاب وأراء

الفجوة المتسعة بين أميركا وأوروبا

ربما تكون المؤشرات الأولى، لتغييرات جوهرية في سياسة أميركا الخارجية تجاه أوروبا، قد بدأت في عهد أوباما.. فالتحولات الاستراتيجية للقوى الكبرى، ليست وليدة تفكير شخص الرئيس وهو في الحكم.. بل إنها نتيجة تفاعل عناصر داخلية، وخارجية، تضع الأمن القومي واستراتيجيته على أولوية تسبق أي حسابات أخرى. ينطبق هذا– بقدر ما– على الخلافات التي جسدتها كلمات المستشارة الألمانية ميركل، والتي لاتزال أصداؤها تدوي في أرجاء المؤسسات السياسية في كل أوروبا.. وذلك حين قالت: لم يعد ممكناً للأوروبيين الاعتماد على الولايات المتحدة وبريطانيا، الشريكتين التقليديتين في الأمن الأوروبي، وإن على الأوروبيين أن يأخذوا مصيرهم في أيديهم مستقبلاً.
ربما تكون ظاهرة التفاوت في النظر للأمن القومي للغرب والتي كانت واحدة في فترة الصراع بين الغرب والاتحاد السوفياتي– قد بدأت مؤشراتها في الظهور في عهد أوباما.. ففي مقابل انتقاد مؤسسات سياسية أوروبية لتراجع أميركا عن التزاماتها تجاه أوروبا، وتحولها استراتيجياً نحو آسيا، فقد كانت هناك على الناحية الأخرى انتقادات أميركية عبر عنها أوباما، بأن أوروبا لا تتحمل نصيبها المطلوب منها تجاه ميزانية حلف الأطلنطي، ولا تبدي الاهتمام الكافي بالدور الأميركي في الدفاع عنها، وما قامت به في إعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية، تحت اسم مشروع مارشال.
لكن لهجة ترامب كانت أكثر وضوحاً ولوماً، وهو يطالب شركاءه في حلف الأطلنطي، بتحمل نصيبهم في ميزانية الحلف.. وأضيفت مظاهر أخرى للخلاف حول قضايا أساسية، مثل رفض ترامب اتفاقية المناخ، وعدم تأييده المادة الخامسة من ميثاق حلف الأطلنطي، التي تلزم الدول الأعضاء بمساعدة أي دولة عضو في الحلف، تتعرض للهجوم.
ويمكن ملاحظة أن آخر مرة ساءت فيها العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، كانت في عام 2003، أثناء استعداد أميركا لغزو العراق، وتجاهلها اثنتين من أهم شركائها في التحالف وهما ألمانيا وفرنسا.
لكن ما تردد على لسان ترامب أكثر من مرة، يوضح أن الخلاف هذه المرة، متأثر بدرجة كبيرة للغاية بقضية التجارة، حيث تتمتع ألمانيا بفائض ميزانها التجاري مع أميركا.. وهو ما عبر عنه مسؤولون في إدارة ترامب، بأن ألمانيا تضع الصادرات الأميركية في وضع غير مناسب.. فالفائض في الميزان التجاري كان لصالح ألمانيا عام 2016، بمقدار 64.8 مليار دولار.
وإن كان ترامب من ناحيته، يرى أنه كان قد وعد الذين انتخبوه، بإصلاح الميزان التجاري، وزيادة فرص العمل أمامهم، وهو ما يعنى أن موقفه متأثر بدرجة كبيرة بسياسته الداخلية، ووعوده لناخبيه.
ومن المعروف أن الشركات الألمانية لها استثمارات هائلة في الولايات المتحدة، خاصة مصانع تجميع السيارات الفاخرة، التي يعمل بها 700 ألف مواطن أميركي، ويصدر إنتاجها إلى أميركا اللاتينية والصين.. وكان ترامب قد شكا من أن ملايين السيارات الألمانية تباع في السوق الأميركية، وهدد بإيقاف سوقها هناك.
إن مسألة التجارة قد ألقت الضوء على الفجوة بين أميركا، وألمانيا، والتي حملت لغة خطابها تعبيراً عن أوروبا بشكل عام.
لكن يبقى أن هذه المسألة هي الأخيرة في سلسلة من الخلافات الأخرى التي طفت على السطح منذ سنوات، وكلها تتعلق بالأمن القومي، لكلا الجانبين، وبحسابات دول عديدة لمصالحها في علاقاتها الدولية، والتي تختلف أحياناً مع الولايات المتحدة.
ويبدو أن الخلاف ليس مع ألمانيا وحدها بل إن العديد من التراكمات القديمة، فيما بين جانبي الأطلنطي، تغذي في الوقت الحالي فكرة ظهور تكتل أوروبي، يعيد النظر في سياساته، كما أن استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة، قد أوضحت أن الثقة التي كانت قد انخفضت في عهد أوباما بين أميركا وأوروبا، ربما تصل في عهد ترامب إلى حالة من التردي، الذي قد يؤثر على مستقبل التحالف الأطلنطي.

بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري