كتاب وأراء

كيف سقطت الدرّة عن التاج البريطاني؟

كانت الهند دائماً تُعرّف بأنها درة التاج البريطاني. ولكن هذه الدرة سقطت عن التاج. ومنذ ذلك الوقت انحسرت الشمس عن الامبراطورية البريطانية التي كانت تمتد في آسيا وإفريقيا.. وأميركا الشمالية.
ولكن كيف سقطت الدرة؟
يجيب عن هذا السؤال كتاب جديد للمؤرخة الهندية ياسمين خان عنوانه: «شبه القارة الهندية والحرب العالمية الثانية».
تسرد المؤرخة عدة أسباب أبرزها:
أولاً: كان البريطانيون يخشون من هجوم ياباني على شرق الهند. ولقطع الطريق أمام هذا الهجوم عمدوا إلى إحراق زوارق الصيادين الهنود حتى لا يستخدمها اليابانيون في عملية الهجوم. وبلغ عدد تلك الزوارق 20 ألفاً. وكانت تشكل مصدر رزق– وأساس- حياة الملايين من البنغاليين الذين يعيشون على صيد الأسماك؛ والذين كانوا يستخدمون هذه الزوارق للانتقال. وكانت النتيجة تعرّض منطقة البنغال في عام 1943 إلى المجاعة التي حصدت أرواح عدة ملايين من الهنود!
ثانياً: عندما سقطت بورما بيد اليابانيين، بدأت هجرة الأوروبيين والهنود من تلك الدولة خوفاً من انتقام القوات اليابانية.
ولتأمين سلامتهم عمدت السلطات البريطانية في الهند إلى استخدام كل السفن والزوارق المتوفرة لديها في البنغال لنقلهم إلى المناطق الآمنة في الهند. أما الهنود فقد تركوا يديرون وسائل فرارهم بأنفسهم. وقد اضطر الملايين منهم إلى اجتياز مئات الأميال مشياً على الأقدام في الغابات والجبال، مما أدى إلى موت معظمهم من شدة الجوع والمرض.. أو انهم تحولوا إلى موائد جاهزة للحيوانات المفترسة.
ثالثاً: كانت بريطانيا قد استقدمت قوات من مستعمراتها في آسيا وإفريقيا إلى الهند لتعزيز قدراتها الدفاعية في وجه احتمال الاجتياح الياباني. إلا ان هذه القوات البعيدة عن أوطانها الأصلية، وجدت في النساء الهنديات متاعاً لها. وخاصة في مدينة كالكوتا مما أدى إلى انتشار الأمراض الجنسية انتشار النار في الهشيم. وكانت نساء القرى القريبة من المطارات العسكرية أهدافاً جنسية سهلة المنال. وكان من هذه القوات وحدات أميركية ووحدات من بورما ومن دول أخرى في شرق آسيا.
رابعاً: كانت الهند المصدر الوحيد للأخشاب التي تحتاج إليها القوات البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وكانت الحاجة إلى الأخشاب شديدة جداً، الأمر الذي حمل السلطات البريطانية في الهند على تعرية الغابات الهندية لتلبية الحاجات المتزايدة من الأخشاب للقوات البريطانية والمتعاونة معها. وهكذا تحولت غابات الهند إلى صحارٍ عارية.. وتعرى معها الفلاحون الهنود الذين كانوا يعيشون على الزراعة.
خامساً: عرفت الهند نشوء طبقة جديدة من «أغنياء الحرب»، فمنهم من عمل على إنتاج الملابس والأحذية واللوازم العسكرية الأخرى للقوات المقاتلة. ومنهم من تولى التجارة بالمواد الغذائية خاصة القمح والحبوب والأرز والسكر وسواها، والتي كانت تخفى من الأسواق لرفع أسعارها رغم عجز الكثيرين من الهنود عن الشراء.. فعمّت المجاعة والفقر وانتشرت الأمراض.
سادساً: جنّدت القوات البريطانية عناصر من الهند «لخدمة» قواتها في مناطق القتال.. خاصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وكانت مهمة هؤلاء الجنود حفر الخنادق وشق الطرق العسكرية.. والقيام بأعمال التنظيف على أنواعها!! وقد ترك هؤلاء عائلاتهم من دون أي معيل مما زاد الفقر فقراً، وضاعف من الحرمان والبؤس.
مع ذلك كان حزب المؤتمر– الكونغرس- في الهند يراهن على انه بعد انتهاء الحرب فإن بريطانيا سوف تردّ الجميل إلى الهند بمنحها استقلالها. وبالفعل طالب غاندي الحاكم البريطاني– نائب الملك- اللورد لينليتكو بتقديم هذا التعهد، وكان من أصل اسكتلندي إلا انه رفض بكثير من الغطرسة والاستعلاء. فكانت حركة المقاومة السلمية التي قادها غاندي، مما أدى إلى اعتقال عشرات الآلاف من أنصاره وزجّهم في غياهب السجون.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك