كتاب وأراء

هل بدأ «العد التنازلي» ؟ مجلس التعاون يواجه الانهيار

بعيدا عن الجدل المحتدم حول مدى شرعية الحصار المفروض حاليا على دولة قطر، تفصح الأزمة الناجمة عن هذا الحصار عن وجود خلل بنيوي في عملية صنع القرار في مجلس التعاون الخليجي نفسه، وتلك مسألة يتعين التوقف عندها إذا ما أردنا استخلاص الدروس المستفادة من أزمة باتت تؤثر على مستقبل المجلس وتهدده بالتفكك والانهيار. فمجلس التعاون الخليجي ليس مجرد منظمة إقليمية تقليدية تستهدف تنسيق المواقف بين دول مستقلة ومتساوية في السيادة.
وإنما هو إطار مؤسسي يعمل في الوقت نفسه على «تحقيق التكامل والترابط بين الدول الأعضاء وصولاً إلى وحدتها، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين», كما ورد نصا في لائحته التأسيسية. ولأن عمر هذا المجلس، والذي تأسس في 25 فبراير عام 1981، يزيد الآن على ثلث قرن، كان يفترض أن تكون العملية التكاملية المستهدفة قد قطعت شوطا طويلا واقتربت الآن من غايتها النهائية، ألا وهي تحقيق الوحدة التامة في جميع الميادين، أو أن تكون هذه العملية قد وصلت، على الأقل، إلى النقطة التي يستحيل عندها العودة إلى الوراء أو النكوص والارتداد إلى الخلف.
غير أن النيران المشتعلة حاليا في جنبات مجلس التعاون الخليجي تذكرنا بمدى هشاشة وتعثر عملية التكامل الخليجي نظرا لافتقار هذه العملية، في تقديري، إلى مظلة أمنية جامعة وإلى رؤية مشتركة لمصادر تهديد الأمن الوطني والجماعي لدول المجلس. وللتدليل على صحة وجهة النظر هذه، يكفي أن نلقي نظرة عابرة على قائمة المطالب التي تقدمت بها الدول العربية المشاركة في فرض الحصار على دولة قطر، وأن نستخرج من هذه القائمة ما تفصح عنه من رؤية محددة للعلاقة مع دول الجوار الإقليمي.
فبالنسبة للعلاقة مع تركيا، مطلوب من قطر، وفقا لهذه القائمة، «إغلاق القاعدة العسكرية التركية على أراضيها، وإلغاء التعاون العسكري مع تركيا». وبالنسبة للعلاقة مع إيران، مطلوب من قطر، وفقا لهذه القائمة ايضا، «خفض العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وطرد أي عنصر من الحرس الثوري موجود على أراضيها، وعدم إقامة أي نشاط تجاري معها يتعارض مع العقوبات الأميركية المفرضة عليها».
وتوحي القائمة في الوقت نفسه بأن إيران وتركيا انتقلتا، وإن بدرجات متفاوتة، إلى خانة الدول المعادية لدول الحصار.
لو كان مطلب إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر قد جاء في إطار رؤية شاملة تحظر تواجد قواعد عسكرية أجنبية على أراضي كافة الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، لأصبح الأمر مفهوما ومبررا ولرحبت به الشعوب العربية قاطبة، لكن حين تكون أراضي دول مجلس التعاون الخليجي قاطبة مرتعا لقواعد عسكرية ترفع أعلاما أميركية وفرنسية وبريطانية وغيرها، يصبح الأمر غير مفهوم وغير مبرر. ومن المفارقة هنا أن يحاولوا تصوير ان القاعدة العسكرية التركية في قطر تشكل خطرا على أمن الخليج.
ولو كان مطلب خفض العلاقات الدبلوماسية مع إيران وعدم تجاوز العلاقات التجارية معها للخطوط المحددة في العقوبات الأميركية المفروضة عليها، قد جاء في إطار اتفاق عام يحدد مستوى أمثل للتمثيل الدبلوماسي وللعلاقات التجارية تلتزم به كافة دول المجلس في علاقتها بإيران، لأصبح الأمر مفهوما ومبررا. أما أن يطلب من قطر القيام بما لم يطلب من دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، فهذا أمر يجافي المنطق ويستعصي على الفهم. لذا أظن أن استمرار الحصار المفروض على قطر لن يكون له سوى معنى واحد وهو بدء العد التنازلي لانهيار مجلس التعاون الخليجي.
ألم يكن من الأجدى دعوة هذا المجلس لعقد قمة استثنائية للنظر في الاتهام الموجه لقطر بعدم التزامها بتنفيذ ما ورد في مذكرة التفاهم الموقعة عام 2014؟ وهل ضاعت الفرصة نهائيا؟ أرجو ألا يكون الأمر كذلك.

بقلم : د. حسن نافعة

د. حسن نافعة