كتاب وأراء

صفقة القرن ومشروع القرن .. من الرابح ؟

في الشهر الماضي ترأس الرئيس الصيني شى بينج منتدى «الحزام والطريق» في بكين والذي كان قد اجتذب 29 رئيس دولة من بينهم فلاديمير بوتين الرئيس الروسي وحوالي 1200 مندوب من أكثر من 100 دولة.
تشكل البلدان الـ 65 الرئيسية المعنية بالمبادرة ثلثي الكتلة الأرضية في العالم وتضم نحو أربعة ونصف مليار نسمة. ولقد تم الإعلان في هذا المنتدى عن خطة الصين لدمج أوروبا واسيا (أوراسيا) من خلال تريليون دولار من الاستثمارات في البنية التحتية الممتدة من الصين إلى أوروبا مع تمديدات لجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا.
ومن شأن مبادرة الصين الطموحة أن توفر الطرق السريعة، وخطوط السكك الحديدية، وخطوط الأنابيب، والموانئ، ومحطات الطاقة في البلدان النامية. كما أنه سيشجع الشركات الصينية على زيادة استثماراتها في الموانئ والسكك الحديدية الأوروبية. وسيشمل «الحزام» شبكة ضخمة من الطرق السريعة وروابط السكك الحديدية عبر آسيا الوسطى، كما سيحتوي «الطريق» على سلسلة من الطرق البحرية والموانئ بين آسيا وأوروبا.
ما جذب انتباهى هو أن الرئيس الصيني أطلق على هذه المبادرة مسمى «مشروع القرن». ومن ثم قفز إلى ذهني مباشرة المقارنة مع المسمى الآخر الذي يتم تبادله على الجانب الآخر من الكرة الأرضية في واشنطن وبين أتباعها وهو «صفقة القرن». وبعد تفكير سريع وجدت أن هذين المسميين يعبران وبصدق عن حقيقة الوضع الدولي الآن. كما انهما يشيران إلى منبع الاختلاف بين السياسة الصينية والسياسة الأميركية والقائمين عليها.
فإذا كان مسمى «مشروع القرن» يتماشى مع ما تقوم به الصين من تخطيط ودراسات جدوى ووضع خطط زمنية تضمن فعالية المشروع وجدواه من الناحية الاقتصادية على المستوى القومي فلعله من الطبيعي أن يتم إطلاق مسمى «صفقة القرن» على ما يعتبره أتباع السيد ترامب الأعجاز القادم. والذي لن يستطيع تحقيقه الا شخص مثل السيد ترامب. فخبرة السيد ترامب السابقة كمقاول عقارات مشهور بأبرام الصفقات الكبرى تؤهله لأن يبرم صفقة القرن. وكما هو المفروض في الصفقات الكبرى فأنها محاطة بطبقات متعددة من السرية والغموض وعدم الوضوح. كل ما هو معروف عنها هو أنها تتعلق بحل لمشكلة الشرق الأوسط أو حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وكأي صفقة تجارية فأن هدفها الأول الربح والربح السريع. وبالضرورة يمكن للصفقات الكبرى أن تتم بعد أن يقتنع كل فرد طرف في الصفقة أنه سيحصل على جزء من الأرباح. ولكن كما في صفقات العقارات يمكن بعد أن تتم الصفقة أن يكتشف المشترون أن العقار به عيوبا هيكلية أو أنهم لن يستطيعوا أدخال المرافق لعيوب في تسلسل الملكية أو أن البائع قد دفع رشوة لموظفين في الحي أو في الشهر العقاري ليسهلوا اتمام الصفقة.
الصفقات الكبرى عادة ما يكون فيها فائزون وخاسرون وبخاصة إذا لم تكن بين البائع والمشتري مباشرة وانما دخل فيها السماسرة والوسطاء الذين ليس لهم أية هدف الا اتمام الصفقة مهما كان بها من عوار أو عيوب طالما سيحصلون على السمسرة التي تتضخم مع كبر حجم الصفقة والمبلغ المدفوع فيها.
يدفعني إلى التشكك في هذه الصفقة المريبة ما كتبه معلق إسرائيلي بارز (امير أورون) حول «صفقة القرن» في مقال نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية وتمت ترجمته. ويرى «اورون» انه من المحتمل جدا ان يقترح السيد ترامب حلا للصراع من خلال مشاركة السعودية ومصر والسلطة الفلسطينية.
ووفقا لهذه الرواية، فإن إسهام إسرائيل في صفقة لتبادل الأراضي سيشمل ضم المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية مقابل منح الدولة الفلسطينية قطعة أرض تعادل المساحة التي تشغلها تلك المستوطنات.
ومن الجدير بالذكر أن وزير الدولة الإسرائيلي أيوب قورة - وهو درزى - ادعى قبل الزيارة الأخيرة التي قام بها نتانياهو إلى واشنطن أنه سيبحث مع السيد ترامب عرضا قدمه الرئيس السيسي يسمح بتبادل أراض من شأنه أن يحلحل المشكلة الفلسطينية.
وهكذا أذا كان «مشروع القرن» من شأنه استخدام الصين لاحتياطاتها المالية الفائضة لخلق بنية تحتية تساعد الدول النامية وتعزز التجارة الدولية مما فيه فائدة للشركات الصينية. كما انه ستتم إعادة توزيع أصول الصين الكبيرة من النقد الأجنبي بعيدا عن سندات الخزانة الأميركية ذات العائد المنخفض، والأهم أنه سيتم خلق أسواق بديلة للسلع الصينية. فأن «صفقة القرن» يمكن أن تخلق واقعا سياسيا مناسبا لانهاء المشكلة الفلسطينية لصالح الدولة العبرية وبضمانات وتنازلات عربية.

بقلم : ا. د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي