كتاب وأراء

.. لن تـغـير سوى نفسك!

كان الإسكندر الأكبر يحلم منذ طفولته بغزو العالم والتحول إلى بطل من أبطال الأساطير.. كان ابناً لملك حـكى له كثيراً عن أبطال الإغريق الذين تحولوا إلى آلهة بعد وفاتهم..

لهذا السبب شرع بعد وفاة والده (ملك مقدونيا فيليب الثاني) في تنفيذ مخططه لاحتلال العالم والوفاة في أرض المعركة.. وخلال عشر سنوات لم يخسر فيها معركة اقترب من تحقيق حلمه القديم.. وبعد نجاحه في تحطيم إمبراطورية الفرس وصل إلى الهند (عام 326 قبل الميلاد) فـوجد راهباً يجلس فوق صخرة عالية قرب نهر السند. سأله الإسكندر (حسب الأسطورة) ماذا تفعل هناك بلا حراك؟ قال الراهب: أعيش مثل والدي بسلام.. قال الإسكندر: ياله من وقت ضائع.. سأله الراهب: وأنت ماذا تفعـل هنا؟ قال الإسكندر: أسيطر على العالم كما وعـدت والدي.. فقال الراهب: ياله من جهد ضائع..

كان كلاهما يرى أنه على حق بحسب التربية التي نشأ عليها..

الإسكندر الأكبر تربى على أن المجد يكمن في القوة والانتصار والسيطرة على الآخرين، والراهب تربى على أن الجمال وراحة البال تكمن في التأمل والعيش بسلام..

الإسكندر كان يهتم بالوقت ويحاول احتلال العالم قبل موته في سن الشباب (لهذا قال: ياله من وقت ضائع) أما الراهب فكان يهـتم بعدم الانشغال ويرى أن السلام يكمن في التأمل والاعتزال (لهذا قال: ياله من جهد ضائع)... كان كلاهما يعتقد أنه على حق وأن الآخر يهدر حياته بلا طائل.. كان كلاهما متأثراً بوالده وأفكار الطفولة التي نشأ عليها وشكلت رؤيته للحياة.

هذه القصة تراها اليوم حولك في كل مكان.. بين من تربـى على مفاهيم التنافس والتفوق والسيطرة على الآخرين، ومن تربى على مفاهيم التسامح والرحمة وراحة البال؛ وبينهما مستويات مختلفة من الناس!!

لا يهمنا كيف انتهت القصة (هل نزل الراهب لينضم للإسكندر، أم صعد الإسكندر ليتأمل مع الراهب) لأن الأشياء لا تصبح خاطئة لمجرد رفضها، أو صحيحة لأننا تبنيناها..

.. أنا شخصياً لا أتوقع نجاح أحدهما في إقـناع الآخر؛ ولكنني على قناعة بأن الحل الأسلم- في هذه الحالة- هـو عدم التدخل في قناعات الآخرين ولا حتى محاولة تغييرها (خصوصاً بعد مضي عمر طويل).. فالقناعات الجديدة (مثل اللغات الأجنبية) يصعب تعـلمها أو تـبنيها بعد سن الرابعة عشرة.. وفي المقابل نرتاح لقناعاتنا القديمة وتصبح في النهاية مصدراً للطمأنينة والسلام (ولا تصبح خطيرة إلا حين نحاول فرضها بالقوة على الآخرين)..

... ليس هدفنا اليوم تقرير من كان على خطأ أو صواب (ولن أسألك لأنك ستجيبني من واقع المفاهيم التي نشأت عليها) ولكنني فقط ألفـت انتباهك إلى أن البشر يحكمون على الآخرين من خلال الأفكار التي شكلت نظرتهم الأولى للحـياة.. الأفكار المبكرة التي سبقت إلى عقولهم، وقولبت شخصياتهم، ورسمت تصوراتهم، وخلقت داخلهم جهاز مناعة فكرية ضد الآخرين.. من السذاجة الاعتقاد أن نصيحة عابرة أو موعظة رائعة يمكنها تغيير إنسان تربى منذ طفولته على ما يغايـرها (ولو كان الأمر بالمواعظ لكنا الآن أفضل الأمـم)..

تغـيير إنسان راشـد (قضى معظم حياته مقـتنعاً بما يفعل) إما حالة نادرة أو نتيجة مخادعة.. الحالة الوحيدة لتغـيـره، هي خلق قناعـات داخلية مضادة تنسف أو تزيح قناعاته السابقة.

وقبل أن تحاول تغـيير غيرك حاول تغيير نفسك من خلال التفكير بطريقة مجردة في مفاهيم الصح والخطأ..

إن لم يعِ الإنسان هذه الحقيقة بنفسه سيظل على القناعات التي نشأ عليها دون أن يخالجه شك بإيجابيتها وأنه على صواب وبقية العالم على خطأ..!

هـل تعتقد أن موقف الإسكندر تغـير بعـد لقـائه بالراهـب؟

فهد عامر الأحمدي

فهد عامر الاحمدي