كتاب وأراء

صناعة الضحالة وأزمة الوعي الأخلاقي

هناك حالة عربية بادية من الفقر المعرفي واللغوي والأخلاقي. فقر يظهر في الخطاب السائد بكل ألوانه. من الخطاب الديني إلى السياسي ومن الخطاب الاقتصادي إلى الرياضي ومن الخطاب التعليمي إلى الإعلامي. بات كثير مما نسمعه ونقرأه ونراه لا يرتقي بالذوق العام أو يحترم قواعد اللياقة وأكثره لا يليق به أن يصل إلى الرأي العام. ويظهر الفقر الأخلاقي كذلك في السلوك.
فلم يعد الهدوء بادياً وإنما علا الصراخ وانتشرت الألفاظ الجارحة وأحياناً البذيئة. لم تعد اللغة رصينة بل مندفعة ومتهورة. ولم يعد تقديم الحقائق مهماً وإنما كثيراً ما يجري نسجها وتلفيقها من أجل التلاعب بالعقول. باختصار، تفشت الضحالة واستشرت التفاهة ودخل الوعي الأخلاقي العربي في مأزق. ومتى تاهت الأخلاق تاهت الأمم. وتلك هي المصيبة العربية الكبرى.
لقد فرطت الدولة العربية في وظيفتها الأخلاقية مثلما فرطت في غيرها من الوظائف. لكن التفريط في الوظيفة الأخلاقية أضر بقدراتها على ضبط باقي الوظائف. فلم يكن اللصوص ليتمكنوا من عجلة الاقتصاد إلا بعد أن مات الوعي الأخلاقي للدولة بدورها في الضبط والربط. ولم يكن الإرهاب لينتشر لولا عجز الدولة عن بناء وعي أخلاقي بصحيح الدين. ولم تكن البذاءة لتتحول إلى ثقافة شبه جماهيرية إلا لتغافل الدولة عن وظيفتها في الردع الأخلاقي. إنها حالة من استباحة القيم والتفريط في المُثل ما كان لها أن تحدث لو كانت الدولة قد تعاملت بحسم وصرامة مع صناع الضحالة منذ أن أطلوا على الناس عبر منافذ تعبير متعددة ما كان يجب أن تفتح لهم أو ترحب بهم.
ولم يكن صعباً أن تستشري صناعة الضحالة في مجتمعات يتراجع الطلب فيها باضطراد على المعرفة العميقة ويزداد على المعرفة السطحية. فأكثر الناس لا يقرأون وإن قرأوا فإنهم يعتمدون على الفيسبوك وأخواته. وهي وسائل تقدم المعرفة ونقيضها. من خلالها قد يعرف الناس من بعضهم عن ما يجري. لكنها معرفة سطحية مشوهة وملونة تختلط فيها الحقيقة بالرأي والصدق بالتزوير، بل وأحياناً ما تكون المعرفة كلها مزورة بسبب التهاون مع الفبركة ونسج قصص ليس لها وجود بالمرة.
حتى وسائل المعرفة الكلاسيكية، مثل الصحف والإذاعة والتليفزيون، لم تعد تختلف عن الوسائل الجديدة مثل الفيسبوك وانستجرام وتويتر. كلاهما، القديم والجديد، أسهم في تمكين صناع الضحالة وإبعاد صناع الوعي الذين غرق معظمهم في التأليف لمجتمعات ليست نهمة بالقراءة. وغرقوا أيضاً في يأس أدخلهم فيه الطغيان الذي لا يحب غير الأصوات الضحلة. وما أن تمكن صناع الضحالة من وسائل نقل المعرفة القديمة والجديدة إلا وقاموا بأربع خطوات أضرت بالوعي الأخلاقي العربي هي التضييق والتمزيق والتلفيق والتصديق. فقد ضيقوا أولاً وبكل شدة على صناع الوعي الراقي. حاصروهم ومنعوهم من الظهور إلا في زوايا وجيوب صغيرة. ثم قاموا ثانياً برفع برقع الحياء بالكامل فاستبدلوا القاموس المهذب المتعارف على استعماله من قبل في الحيز العام بقاموس مختلف يمزق الشرف ويسرف في الهجاء. ولم تكن تلك الخطوة إلا مقدمةً للخطوة الثالثة وهي التلفيق بالافتراء على الدول والأشخاص والمعارضين وكل المختلفين في الرأي بقصص ليس لها وجود واتهامات كاذبة لا أساس لها من الصحة تمهيداً للخطوة الرابعة وهي صناعة التصديق لأن الكذبة عند صناع الضحالة كلما كانت كبيرة كلما كان احتمال تصديق الناس لها أكبر.
وقد شارك في صناعة الضحالة أطراف عديدة على رأسهم الساسة المستبدون والمثقفون الشعبويون. فالمستبدون يخافون من الأفكار الجريئة ويكرهون الوعي النقدي مفضلين إما الوعي السطحي أو اللاوعي على الإطلاق. أما المثقفين الشعبويين فيهتمون بجماهيريتهم على حساب رسالتهم. يعرفون أن الاستبداد لا يسمح لحملة الرسائل المستنيرة بالبزوغ ولهذا اختاروا أن يكونوا من حملة الغرض. وقد أغدق الاستبداد على المثقفين الشعبويين حملة الغرض الكثير فمكنهم من تأسيس صناعة كاملة للضحالة نجومها مثقفين وفنانين ورياضيين شعبويين وغيرهم ممن أهملوا تخصصاتهم وراحوا يخوضون في الشأن العام على هوى كل مستبد واثقين من أن شهرتهم ستحشد الناس خلف رواياتهم. وهي كثيراً ما حشدت الناس خلفهم بالفعل.
وبسبب تمكن صناع الضحالة، أصيب الوعي الأخلاقي العربي بانحطاط كبير. وقد لفيناهم يمارسون في أزمة الخليج الأخيرة مثلاً فبركةً مخزية بنشر معلومات مغلوطة مزقت البيت الخليجي ووترت الوضع العربي. وهم من يطلق الأكاذيب الاقتصادية والسياسية والتاريخية والنفسية بل وحتى الجغرافية ليشوهوا الرأي العام ويدفعوه للسير وراء إرادة أفراد. ولا يمكن أن يُنتشل الوعي الأخلاقي العربي من الضحالة إلا بالتحرر من الاستبداد أولاً. فالاستبداد على قسوته يبقى ضحلاً. لا يعيش بغير صناع للضحالة يخدمونه بتسطيح المجتمع وتجهيزه لكي يُصدق كل ما يقال له حتى لو كان كذباً بواحاً.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات