كتاب وأراء

قانون الانتخاب اللبناني الجديد .. بين سلبياته وايجابياته وميزان القوى

بعد ما يقارب العشرة أشهر من جلسات الحوار والنقاش والسجال وشد الحبال بين الأطراف الرئيسية المكونة للبرلمان والحكومة، وقبلها سنوات من التمديد والصراع، تم التوصل إلى قانون جديد للانتخابات النيابية على أساس تقسيم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية واعتماد النسبية الكاملة والصوت التفضيلي في القضاء، والبطاقة الممغنطة التي تسمح للناخب بالانتخاب في مكان سكنه، وبناء على ذلك جرى إقرار القانون في الحكومة ومن ثم في مجلس النواب مع تمديد مدة ولاية المجلس 11 شهرا تحت حجة أن التحضير والإعداد للانتخابات وفق القانون الجديد وإصدار البطاقة الممغنطة،لأكثر من ثلاثة ملايين لبناني يحق لهم الانتخاب، يحتاج إلى مثل هذا الوقت، ولهذا تم تحديد موعد الانتخابات في شهر مايو من عام 2018.
اثر صدور القانون ومعرفة تفاصيله أعلنت الكثير من المواقف المؤيدة والمعارضة فيما الأطراف السياسية، التي توصلت إلى الاتفاق على القانون وأقرته، اعتبرته أفضل الممكن وجنب البلاد الفراغ أو العودة إلى قانون الستين السيئ الصيت.وهذا دليل على أن القانون الجديد لا يلبي تطلعات اللبنانيين بقانون عادل ويحقق المساواة وصحة وعدالة التمثيل. لكن لماذا لم تتمكن القوى والتيارات التي تطالب بالتغيير والإصلاح من منع مثل هذا القانون وفرض إقرار قانون يعتمد لبنان دائرة انتخابية واحدة وخارج القيد الطائفي وعلى أساس النسبية الكاملة، الجواب يكمن في أن موازين القوى لم تمكن قوى التغيير من تحقيق مطلبها وتطلعاتها، وهذا يعني أن القانون الجديد إنما يعكس مستوى التطور السياسي للمجتمع اللبناني في الوقت الحالي.
من خلال قراءة متمعنة للقانون يمكن تسجيل الملاحظات السلبية والايجابية التالية:
أولاً: على صعيد الملاحظات السلبية، يتعارض القانون مع الدستور الذي يدعو في المادة 22 إلى انتخاب مجلس نواب وطني خارج القيد الطائفي وعلى أساس النسبية، وانتخاب مجلس للشيوخ على أساس طائفي والنظام الأكثر، ويفتقد القانون للمعيار الواحد والمساواة، فتقسيم الدوائر إلى 15 دائرة تم بطريقة مخالفة للدستور لناحية اعتماد المحافظات الست دوائر انتخابية لضمان عملية الانصهار الوطني والارتقاء بالخطاب الانتخابي والسياسي من الخطاب الطائفي والمذهبي إلى الخطاب الوطني. ما جرى أنه تم تقسيم بيروت إلى دائرتين تفصل بينهما خطوط التماس الطائفية التي سادت حلال الحرب الأهلية التي تفجرت عام 1975 واستمرت حتى عام 1990، كما أن هناك بعض الدوائر تتميز بالصفاء الطائفي مثل دوائر زحلة، المتن، وبيروت الأولى، ومن ناحية أخرى لوحظ بوضوح عدم المساواة من خلال اعتماد دوائر انتخابية بقضاء مثل زحلة، المتن، عكار، ودوائر بقضاءين مثل، صيدا ـ جزين، والشوف ـ عاليه، وبعلبك ـ الهرمل، وجبيل ـ كسروان، وصور ـ الزهراني، والبقاع الغربي ـ راشيا، ودوائر بثلاث أقضية مثل، حاصبيا ـ مرجعيون ـ بنت جبيل، وطرابلس ـ المنية ـ الضنية، ودوائر بأربعة أقضية مثل، البترون ـ بشري ـ الكورة ـ زغرتا، وهذا يعني أن أعداد المرشحين والمقترعين تختلف بين دائرة وأخرى. كما أن القانون افتقد إلى بعض النقاط الإصلاحية الجوهرية فهو لم يقر الكوتا النسائية، ولم يلحظ تخفيض سن الاقتراع إلى 18 سنة، مما يؤشر إلى إصرار من قبل بعض إطراف الطبقة السياسية على منع التغيير لما تشكله مشاركة الشباب من ثقل تغييري في الحياة السياسية.
ثانيا: على صعيد الملاحظات الايجابية، مع أن القانون لا يلبي التطلعات بالتغيير ويحتوي على كل السلبيات الأنفة الذكر، إلاّ أنه لا يخلو أيضاً من بعض الايجابيات التي تتيح إمكانية مجيء نواب إلى سدة البرلمان من خارج تأثير الأطراف السياسية التي كانت تحتكر التمثيل عبر قانون الستين الأكثري. وهذه الإمكانية يوفرها اعتماد النسبية الكاملة في القانون، وبهذا المعنى فإن اعتماد النسبية يشكل خطوة إلى الأمام بالقياس إلى ما كان سائداً في السابق. غير أنه يجب الاعتراف بأن ادارج النظام النسبي ما كان ليتحقق لولا الصراع والتوازن بين أطراف القوى السياسية في السلطة اثر وصول الرئيس ميشال عون إلى سدة الرئاسة الأولى الذي طالب بإصرار باعتماد النسبية، ودعمه في ذلك كل من حزب الله وحركة أمل.
وبهذا المعنى فان اعتماد النسبية الكاملة في القانون الجديد إنما جاء في اعقاب سقوط كل مشاريع القوانين التي كانت ترتكز إلى النظام الأكثري، والاقتراب من انتهاء المهلة الدستورية لإقرار القانون، والرفض العارم من قبل غالبية الشعب اللبناني للنظام الأكثري، والمطالبة بالنسبية.
وإذا كان القانون الجديد يصنف، بين النظام النسبي على مستوى الدائرة، والأكثري بسبب اعتماد الصوت التفضيلي في القضاء، فإن اعتماد الصوت التفضيلي جاء بديلاً عن اعتماد النظام التأهيلي، بهدف منع وصول نواب لا يتمتعون بثقل ووزن تمثيلي في طوائفهم، طالما أن نظام الانتخاب يقوم على أساس طائفي، والمرشح يتقدم بترشحه للانتخابات في القضاء عن الطائفة التي ينتمي إليها. ومع ذلك فان القانون هو أفضل من قانون الستين، ولهذا يصنف بأنه خطوة إلى الأمام.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي