كتاب وأراء

غلام عمر

عملت في مطبعة للقرآن، وثلاث مدارس، وإمارة لمنطقة تزيد مساحتها عن 150 ألف كلم.. سمح لي كل ذلك بحضور اجتماعات تولاها أمراء ومديرو ورؤساء أقسام.. تنتهي جميعها بتبني رأي من يجلس في صدر المجلس..

قد لا يكون رئيس المجلس ذاته ديكتاتورياً أو متسلطاً (وإلا لما طلب الاجتماع بموظفيه) ولكننا نحن من تربينا على الانحياز لرأي الكبير وقول «سم» و«أبشر» حتى حين نختلف معه.. نعتقد أننا نجتمع للتوصل لقرار جماعي ولكننا في الحقيقة نخرج كما دخلنا (أمرك ياريس، وحكييييم يااااشيخ).. المجتمعون في حضرة الرئيس يخشون التعبير عن آرائهم (خصوصاً صغار السن والمناصب) فيفضلون الصمت أو الانتظار لمعرفة توجهات الرئيس والمقربين حوله..

مايحدث لدينا ليس ديمقراطية ولا شورى، بل حرص على إرضاء الرئيس وعدم الخروج عن رأي الجماعة.. الشورى في أصلها سلوك شجاع ومستقل، والديمقراطية ممارسة تعتمد على الحرية وعدم الخوف والمساواه بين الأفراد، وجميعها أخلاقيات تغيب حتى في بيوتنا ومدارسنا.. لهذا السبب نظل دائماً مرتبطين برأي شيخ القبيلة مهما اجتمعنا وتناقشنا وصوتنا وخصصنا غرفاً فاخرة للاجتماعات.. أبتسم كلما سمعت عن تشكيل «لجنة» لدراسة هذه المشكلة أو تلك.. أدرك أن كل لجنة (صغر حجمها أم كبر) تنتهي دائماً إلى قرارات فردية تعتمد على مرئيات «المدير» أو رغبات «الرئيس» أو توجيهات «الوزير»!!

إن أردت لأي مجموعة اتخاذ قرار حر ومجرد عليك أن تشجع كل فرد (مهما صغرت منزلته) على قول رأيه دون خوف أو اضطهاد أو تضييق.. كي تتوصل إلى رأي صادق ومحايد يجب أن يمتنع رئيس الجلسة عن إبداء رأيه نهائياً.. أو على الأقل لا يدلي به قبل الاستماع للجميع (فمجرد قول رأيه أولاً يُسكت الجميع)..

هاهو الحباب بن المنذر يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة بدر: يا رسول الله هذا المنزل الذي نزلته هل أنزلك الله إياه أم منزل نزلته للحرب والمكيدة. فيقول: بل نزلته للحرب والمكيدة. فقال: إذا سر بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم فيكون لنا ماء وليس لهم ماء.. فاستحسن رسول الله رأيه فتحرك الجيش لما بعد الماء ليحرم منه جنود قريش..

هذه القصة لا تثبت فقط أهمية الاستماع للرأي الشجاع، بل وأهمية امتلاك الطرف الآخر للشجاعة والرأي الحر.. كان عمر بن الخطاب يتمتع بوقار وهيبة تمنع الرجال من الحديث.. وذات يوم اجتمع عنده الناس لحاجة فقام غلام شجاع ليتحدث فقال عمر: اجلس وليقمْ مَن هو أكبر منك سناً، فقال الغلام: أصلح الله الأمير، المرء بقلبه ولسانه ولو كان الأمر بالسن لكان في الأمة مَن هو أحق منك بالخلافة.. فسكت عمر وتحدث الغلام بما خشي الكبار قوله..

سكت عمر لأن الرأي الأمين ليس حكراً على أحد ولا يعترف بغير الحق والواقع.. أدرك بسرعة أن المهم سماع مافيه مصلحة الناس بصرف النظر عن سن ومكانة من يتفوه به..

وبناء عليه أقول لمسؤولينا: إن صادفتم يوماً غلاماً كغلام عمر فتمسكوا به بقوة؛ فقد يكون الصادق الوحيد في مجموعتكم.



بقلم : فهد عامر الاحمدي

فهد عامر الاحمدي