كتاب وأراء

فوزي بشرى

لو لم يكن محللا سياسيا فذا، وفنانا، بالطبع.. متمكنا من لغته- تصريحا وتلميحا وإيماءات واشارات وبيانا وتبيينا ونكات بلاغية- ومتمكنا من صوته، وقدرته الخرافية في وضع كل حرف.. أي جملة موضعها الصحيح، في حباله الصوتية المدهشة، ما كان ليمكن- إطلاقا- أن يحلق بالتقرير التليفزيوني، إلى كل هذه الأعالي، ويسحر المشاهدين، ويأخذ بعقولهم وأخيلتهم ووجدانهم، وضمائرهم أيضا، ويصبح في النهاية امبراطور التقارير المتلفزة، عن جد!
فوزي بشرى.
هذا الرجل الساحر، أخرج التقرير التليفزيوني، من العادية إلى ما هو غير عادى على الإطلاق. اخرجه من حالته التثاؤبية، تلك التي تُعدي المشاهدين، إلى حالة أشبه بحالة الصباح، والصباح رباح: أرزاق وضياء وحركة لكل الكائنات بعد طول سُبات.
من فرط ما كان التقرير، في بيات شتوي، ما كان لأحد أن يحفل به، إلا قليلا جدا، لكن فوزي الذي لا تغمض له عين- كما الاحداث في هذا العالم- أيقظه من نومته، تلك التي كانت أشبه بنومة أهل الكهف، وكلبهم باسط بالوسيط ذراعيه!
تقرير فوزي، وهو يمشي في سوق أذان الناس، ظل يمشي بعملة جديدة: عملة حرة، قابلة للتداول، ومبرئة للذمة.
ما قيمة الصحفي- أي صحفي- لو لم يكن صكا، غير قابل للتزوير، غير قابل للتداول؟
ما قيمته لو لم يكن عصيّا على القرصنة، والاختراق؟
ما قيمته لو لم يكن منحازا- عن حق- إلى الحقيقة.. لو لم يكن ضد الكذب، والافتراء، والهيمنة، والقبح ومحاولات لي الذراع، وافشال الأحلام الكبيرة.. ما قيمته لو لم يكن منحازا إلى وطنه، والوطن- في حالة فوزي- هو الجغرافية، تلك التي أمنته من خوف في وطنه الأم، وأطعمته من تجويع، وأسكنته السكينة والطمأنينة وراحة النفس، من بعد رهق وتوزع ونزاع وفرار.
قطر كعبة المضيوم، وفي عنق المضيوم، دين مستحق.
فوزي، أوفى بعض دينه، وهو ينافح عن قطر بكل ما يملك: فراسته المهنية، ولغته الصافية، واستدعائه للموروث، وصوته.. صوته ذلك الذي تشربت حباله، سحر النطق الفخيم، ذلك الذي أسهر، وسحر، وشكل رأيا مضادا، لكل ذلك الرأي الفطير، ولكل ذلكم التدليس!
فوزي بشرى، رجل كما ولدته أمه، ولده العقل والخيال والقلب السليم. ولدته مهنة الصحافة بكل ما فيها من شرف، ومن شهادة ضمير، ومن شجاعة على إحقاق الحق، وتكذيب الأكاذيب.. وبكل ما فيها- بالطبع- من البحث عن الراحة.. والبحث عن المتاعب، أيضا!
أيها الناس: دعوني أفتخرُ مرة: لو لم يكن فوزي بشرى سودانيا، لتمنيتُ من كل قلبي، أن يكون... سودانيا!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار