كتاب وأراء

الديون الأخلاقيــة العربيـــة .. ســداد كامــل أو إعفــاء كامــل

ليس للأخلاق وزن كبير في السياسة، هذه هي الفكرة الشائعة وهي صحيحة إلى حد بعيد، فالمصالح والمنافع والحسابات الباردة تبقى لها الصدارة سواء في العلاقات بين الدول أو بين القوى السياسية داخل أي دولة، لكن برغم ذلك إلا وتعود الأخلاق من وقت لآخر لتفرض نفسها على جدالات السياسة. فهي المعيار الذي يُطلق معظم الناس على أساسه أحكامهم على الساسة.
وآراء الناس في السياسة كثيراً ما تكتسي بالمثالية حيث يقيمونها بما ينبغي عليها أن تفعله وليس بما يمكن أن تفعله, وكثيراً ما كان العشم والعتاب والتوقع سبيل العامة لإصدار أحكامهم الأخلاقية على السياسة. وتفرض الأخلاق نفسها كذلك على السياسة عندما تصل التجاوزات والانتهاكات السياسية حدوداً يصعب تجاهلها أو تبريرها.
تستطيع السياسة كثيراً أن تتجاهل البعد الأخلاقي. لكنها لا يمكن أن تتجاهله إذا ما وصلت الديون الأخلاقية إلى حد يجعلها واجبة السداد. والديون الأخلاقية هي جملة الاعتذارات المتراكمة وكل صور الندم والأسف المتأخرة التي لم يقم بها الساسة وبات واجباً عليهم إما سدادها أو طلب الإعفاء منها. وفي منطقتنا العربية ديون أخلاقية باهظة لن يستقيم حال إلا بتسويتها إما بسدادها بالكامل أو بالإعفاء منها بالكامل. وقد حان الوقت لذلك لأن المنطقة تمر بوضوح بحالة تشنج وتقترب من إعادة تشكيل لملامحها ما يلزمها بفتح صفحة جديدة. والصفحات الجديدة لن تفتح بشكل سليم إلا بتسوية الديون الأخلاقية المتأخرة. وما أكثرها في منطقتنا.
الدولة مثلاً مدينة باعتذارات أخلاقية عديدة لمجتمعها. عليها ديون أخلاقية قديمة يجب أن تسددها للمقهورين لما عانوه من فقر وجهل ومرض وطائفية وظلم واعتقال وإفساد ومصادرة حريات وإغلاق شبه كامل للمجال العام ومخالفة للدستور وانتهاك للحقوق. وللمجتمع الحق إما في الإصرار على سداد الدولة لديونها بالكامل أو إعفائها والصفح عنها من أجل البدء في عهد جديد وعلاقة مختلفة بين الجانبين. والأمر نفسه ينطبق على العلاقات بين الدول العربية. فهناك دول حاصرت غيرها وأخرى استعانت بالغريب ضد القريب ونسقت مع الدخيل ضد بلاد شقيقة. ودول تدخلت في شؤون غيرها وشكلت تهديدات لأمنها واستقرارها. لهذا أصبح واجباً بعد سنوات طويلة من العبث العربي المشترك تراكمت خلالها ديون أخلاقية هائلة أن يتم معالجتها وتسويتها إما بالسداد الكامل أو بالإعفاء الكامل. المهم أن تجري تصفية تلك الديون حتى تجد المنطقة مخرجاً من التشنج والاضطراب اللذين غرقت فيهما طويلاً.
والمنطقة مقبلة بلا لبس على شكل جديد وستمضي، مسيّرة أو مخيّرة، نحو غلق صفحة وفتح أخرى. وإن لم تطو الصفحة القديمة بتسوية عادلة وشاملة للديون الأخلاقية فلن تُفتح الصفحة الجديدة إلا ومعها مشكلات أشد تعقيداً. وقتها سيكون المستقبل نسخة أسوأ من الماضي وستعود الديون الأخلاقية لتتراكم من جديد. والخوف كل الخوف أن يجري الرهان على بديل آخر غير تسوية الديون الأخلاقية العربية بالكامل أو العفو عنها بالكامل. بديل آخر يقترح إرجاء موضوع تسوية تلك الديون ويجمده. ومع أن ذلك قد يشتري بعض الوقت ويحلحل بعض الأزمات إلا أنه لن يحل جذرياً أياً منها. وهذا الخوف من الآتي يستند إلى ماض قلق وحاضر غامض لم تسجل فيه الديون الأخلاقية تراجعاً وإنما سجل تراكماً مستمراً. فالمنطقة حتى وهي تتفجر من الداخل وتخترق من الخارج إلا ويواصل أهلها تجاهل سداد الديون الأخلاقية البينية سواء بين العرب وبعضهم أو بينهم وكل الأقليات والطوائف غير العربية الموجودة على أرضهم منذ فجر التاريخ.
ولا شك في أن سداد الديون الأخلاقية أمر معقد ومحفوف بالصعاب، مجرد فتحه قد يثير مشكلات أكثر مما يقدم من حلول. فالكل سيزعم أنه دائن وليس مدينا. وقد تتسبب محاولة تسوية تلك الديون في ملاسنات ومطاحنات ومناكفات حول تقدير حجمها ومن عليه أن يسددها ومن يجب أن يعتذر. ولهذا فقد يكون الأفضل من سداد الديون الأخلاقية الاتفاق الجماعي على إعفاء الكل منها وبالكامل. غير أن ذلك يحتاج إلى رجال لديهم طاقة تفوق طاقة كل الرجال. فالتعصب سهل أما لجم الغضب والصفح والعفو فصعب للغاية.
لكن هذه المنطقة لو شاءت النجاة فعليها أن تخوض الصعب فتجري تسوية سريعة للديون الأخلاقية العربية قبل أن تدهمها عملية إعادة تشكيل المنطقة والمحتمل أن تنتهي بمزيد من التعاسة والبؤس. منطقتنا تتفتت بالفعل جغرافياً وسياسياً. ولو أضيف إلى القلق المصاحب لذلك التفتيت غياب الصفح عن ما مضى فلن يكون القادم إلا أسوأ من القائم. والأمر جد خطير خطورةً لن يبددها إلا تسوية للديون الأخلاقية قد تساعد السياسة على تصحيح مسارها من جديد.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات