كتاب وأراء

هجوم إسرائيلي في الأمم المتحدة

يبدو من الواضح أن الحكومة الإسرائيلية تركز هجومها هذه الأيام على جبهتين أساسيتين وجوهريتين في الصراع على فلسطين، حيث تسعى تل أبيب إلى حسم الصراع بشأنهما لمصلحة المشروع الصهيوني.
الهجوم الأول والذي لم يتوقف وهو يتصاعد على نحو غير مسبوق، يتمثل في رفع وتيرة الاستيطان في القدس المحتلة والعمل المستمر للاستيلاء على المزيد من أراضي الفلسطينيين وهدم منازلهم بذريعة أنها مبنية بطريقة غير شرعية، والسعي إلى تكريس الأمر الواقع الصهيوني في المسجد الأقصى والعمل كمرحلة أولى على تقسيمه على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي في الخليل إثر المجزرة التي ارتكبها مستوطن صهيوني بحق المصلين في المسجد.
أما الهجوم الثاني فإنه يتركز على السعي لشطب حق العودة، وكل ما يذكر به على الصعيد الدولي، وذلك من خلال العمل على تفكيك وكالة تشغيل وغوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» الشاهد الدائم على تهجيرهم من أرضهم وديارهم من قبل العصابات الصهيونية سنة 1948.
وإذا كان الهجوم الاستيطاني في القدس يتم بقوة الاحتلال والقمع والإرهاب، فإن الهجوم في الأمم المتحدة يحصل بطرق دبلوماسية مصحوبة بوسائل الضغط وتوظيف الدعم الأميركي والغربي، وأخيراً الدعم الإفريقي الذي باتت تحظى به «إسرائيل» على نحو غير مسبوق منذ احتلال فلسطين عام 48، وهذا الهجوم بدأ بدعوة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو إلى تفكيك وإزالة وكالة الأونروا نهائيا، وطالب مندوبة الولايات المتحدة الأميركية نيكي هالي بتبني المطلب الإسرائيلي والعمل على تحقيقه.
ومن الواضح أن هذا التطور في الهجوم الإسرائيلي لتصفية حق العودة وحسم الصراع على القدس لمصلحة المشروع الصهيوني يشكل أولوية إسرائيلية كبرى لما لهاتين المسألتين من أهمية في الصراع الدائر على أرض فلسطين، منذ عقود طويلة، فإسرائيل تريد إحداث تغيير جذري في طبيعة الصراع بحيث تمحو من الذاكرة العالمية أن عملية اغتصاب صهيونية قد تمت للحقوق الفلسطينية وأن هذه العملية أدت إلى تهجير مئات آلاف الفلسطينيين من أرضهم وديارهم إلى الدول العربية وانحاء مختلفة من العالم، وإلى احتلال جزءٍ كبير من الأرض الفلسطينية عام 48، وثم جرى احتلال القسم الآخر من أرض فلسطين سنة 1967. وهذا التغيير يتطلب إزالة الشاهد المستمر على هذه الجريمة الوحشية ضد الشعب الفلسطيني، وحقه بالعودة إلى أرضه ودياره وبالتالي حقه بالمقاومة بهذه العودة وفق ما ينص القرار الدولي رقم 194 الذي يؤكد على هذا الحق، وهذا الشاهد هو وكالة الأونروا التي تواصل منذ قيامها عام 48 تقديم الخدمات الاجتماعية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين ريثما يتمكنوا من العودة إلى وطنهم. فاستمرار هذه الوكالة عدا عن كونه يمثل اعترافا دوليا بتهجير الفلسطينيين وحقهم بالعودة، فإنه يشكل إدانة مستمرة لتهجيرهم من قبل العصابات الصهيونية ويؤكد عدم شرعية احتلال فلسطين وانتهاك كيان العدو الصهيوني للقوانين الدولية بدءا بالقرار 194. ولهذا فإن إلغاء وكالة الأونروا ترى فيه الحكومة الإسرائيلية مقدمة ضرورية مهمة تساعدها على الانتقال إلى إلغاء القرار 194 بزعم أنه لم يعد هناك شيء اسمه لاجئون.
والخطير في الأمر أن هذا الهجوم الإسرائيلي يتواكب مع نجاحات للدبلوماسية الإسرائيلية على حساب القضية الفلسطينية، مستفيدة من غياب العرب وانشغالهم في صراعات داخلية تقف وراءها القوى الغربية الاستعمارية وكيان العدو الصهيوني الذين يعملون على تغذيتها وإدامتها، وكذلك مستفيدة من التنازلات الخطيرة التي قدمتها السلطة الفلسطينية واستعدادها لتقديم المزيد، حسبما أعلنت خلال زيارة الرئيس الأميركي لفلسطين المحتلة واجتماعه مع رئيس السلطة محمود عباس، حيث أفيد بأن عباس أبدى الاستعداد لاستئناف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي وأنه لا يمانع القبول بحل متوافق عليه بشأن حق العودة، وأن يكون حل لقضية القدس على أساس دولي. الأمر الذي يفهم منه رسالة واضحة باستعداد السلطة الفلسطينية للسير باتفاق نهائي يرضي إسرائيل بمسألتين حساستين وبالتالي تحقيق ما تطمح إليه من حل ينهي حق اللاجئين بالعودة إلى أرضهم التي احتلت عام 48، وكذلك بلوغ ما ترمي إليه من انتزاع اعتراف من السلطة بحق إسرائيلي مزعوم في القدس والأقصى.
ولا شك في أن هذه التنازلات التي تبدي السلطة الاستعداد لتقديمها حتى قبل أن تستأنف المفاوضات شكلت مادة هامة للدبلوماسية الإسرائيلية عملت سريعا على الاستفادة منها في الأمم المتحدة واللقاءات الدولية لتعزيز موقفها المطالب بإلغاء حق العودة وبالتالي تفكيك وكالة الأونروا.
على أن هذا التقدم الذي تحققه الدبلوماسية الإسرائيلية على حساب الحقوق الفلسطينية مكن إسرائيل من تحقيق مكسبين مهمين، لأول مرة:
المكسب الأول، إحداث اختراق كبير واسع النطاق في القارة الإفريقية توج أخيرا بمشاركة نتانياهو في قمة الإيكواس لدول غرب إفريقيا بناء على دعوة رسمية وجهت إليه.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي