كتاب وأراء

أثر الرئيس

«موجة أم تسونامي؟»؛ هكذا فضلت أن تعنون صفحتها الأولى جريدة «ليبراسيون» الفرنسية، تعليقا على نتائج الدور الأول من الانتخابات التشريعية في بلد الأنوار.
في خلفية ذلك، تحضر النتيجة المبهرة التي حققها حزب الرئيس الجديد «ماكرون»، والذي صار بإمكانه انطلاقا من الأحد القادم- موعد الدور الثاني- حصد أغلبية واسعة من أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية.
منذ إعلانه الترشيح، بعيدا عن القوى السياسية العريقة، وصولا إلى فوزه بالاستحقاق الرئاسي، مرورا بأكثر من عشرة شهور ظلت خلالها استطلاعات الرأي تضعه في مقدمة احتمالات تصويت الفرنسيين، كانت كل الأوساط السياسية والإعلامية لا تكل من طرح السؤال: هل سيتمكن «ماكرون» في حال وصوله إلى قصر «الاليزي» الظفر بأغلبية برلمانية مدعمة لتوجهاته السياسية؟
فقط، خلال الأحد الماضي، جاء الجواب قويا وصارخا، من قلب صناديق الاقتراع: الرئيس بات يتوفر على أغلبية قد تتجاوز 400 نائب من حركة «الجمهورية إلى الأمام».
أكثر من ذلك، عدد كبير من النواب الذين سيصلون إلى البرلمان الفرنسي، خاضوا حملتهم الانتخابية تحت شعار «مع أغلبية الرئيس»، بالرغم من ترشحهم تحت يافطة الاشتراكيين أو الجمهوريين.
في تحليل هذا النصر الكبير، ذكر الكثيرون بالوقع «السحري» لما يسميه المتتبعون بأثر الرئيس، حيث إن الرأي العام يحتفظ خلال التشريعيات التي تلي الاقتراع الرئاسي، عموما بنفس الاتجاه المعبر عنه لحظة اختيار رئيس الجمهورية.
في النتائج، مسلسل اندحار الأحزاب التقليدية أخذ سرعة قياسية، خاصة على مستوى اليسار، حيث لم يتجاوز الحزب الاشتراكي عتبة 9 % من نسبة الأصوات.
نفس المآل عرفه حزب الجبهة الوطنية، الذي عرف تراجعا مهولا قياسا بما حققته زعيمته «لوبين» في الانتخابات الرئاسية قبل أسابيع. وحده «ميلونشون» قائد «فرنسا الأبية» استطاع تحقيق نتائج متواضعة.
على أن واحدا من أهم دروس الاقتراع يبقى هو نسبة الامتناع القياسية في كل تاريخ الجمهورية الخامسة، إذ إن نصف الناخبين تقريبا فضلوا العزوف عن صناديق الاقتراع.
بإمكان «ماكرون» إذن، مباشرة إصلاحاته المعلنة، باطمئنان إلى أغلبية مريحة داخل البرلمان، لكن ذلك لم يمنع الصحافة والباحثين من إثارة الانتباه إلى ما أسمته افتتاحية الجريدة العريقة «لوموند»، بتحدي الهيمنة السياسية على كل السلط ومخاطرها على الحياة السياسية، ذلك أن ما سيربحه الرئيس ستخسره الديمقراطية، على مستوى فضاء التداول وحيوية النقاش وضرورة المعارضة وأهمية السلط المضادة، وهو ما قد يجعل الاحتجاج والنقد يختفي من المؤسسات لكي يظهر في مكان آخر.

بقلم : حسن طارق

حسن طارق