كتاب وأراء

الدبلوماسية القطرية .. مدرسة

الدبلوماسية باختصار هي فن التفاوض بالعقل والحكمة، وفي نفس الوقت اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وهذا التعريف يمكن أن يعتبر قاسما مشتركا بين وجهات النظر المتباينة، وهو ما عرفت به الدبلوماسية القطرية خلال سعيها ونجاحها في نزع فتيل الكثير من الصراعات والأزمات على الساحة العربية، سواء كانت قطر طرفا فيها أم وسيطا، ولها في هذا المجال صولات وجولات للمصالحة بين أطراف داخلية في دول عربية كثيرة، هذه المرونة والحنكة والديناميكية جعلت من دولة قطر وجهة للأطراف المتنازعة التي تبحث عن حل للخروج من مشكلاتها المتعلقة بصراعاتها الداخلية التي تهدد وحدتها الوطنية وأمنها القومي ونسيجها الاجتماعي، وبالتالي سيكون من باب أولى توظيف حكمتها وإمكاناتها الدبلوماسية في إدارة الأزمة الحالية بينها وبين بعض الشقيقات من الدول الخليجية.
يعود الفضل في هذا إلى القيادة السياسية وعدم تخليها عن دورها الوطني والقومي والإسلامي، وعندما نتحدث عن الدبلوماسية القطرية وما تمتاز به من وضوح وحكمة، وفي نفس الوقت من جدية ورصانة، لابد من الإشارة إلى معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية السابق، في فترة شهدت اندلاع ثورات الربيع العربي، إذ استطاع بحكمته إقناع الدول بسلامة موقف قطر، لأنه مناور حذق، يقارع الحجة بالحجة، ويقدم الدليل على رجاحة رأيه وسلامة موقف بلاده، بشجاعة منقطعة النظير، تستند على المنطق ومصالح الشعوب ومصالح الأمة عموما، حتى أصبح الصحفيون في العالم ينتظرون بفارغ الصبر مؤتمرا صحفيا يشارك فيه، أو برنامجا تليفزيونيا يكون ضيفا عليه، أو حتى محاضرة يلقيها في محفل أو مهرجان ما، حتى لو كان ثقافيا، ليستجلوا منه الحقائق حول الكثير من مجريات الأحداث على الأصعدة الإقليمية والعربية والدولية، وقد كان لمحاضرته في مهرجان الدوحة الثقافي ردود فعل عالمية قوية لأنه كان يكشف خلالها النقاب عن الكثير من الأحداث.
في ثورات الربيع العربي كان رمزا دبلوماسيا عربيا أثبت حنكته في طريقة تعامله مع الأوضاع التي كانت حرجة، وذلك بوقوفه إلى جانب الشعوب العربية المظلومة.
وعلى نفس المنوال والنهج الدبلوماسي الواضح الجلي الذي يقارع الحجة بالحجة ويدحض اتهامات الدول الشقيقة لقطر، تسير دبلوماسية سعادة الوزير الشاب الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وزير الخارجية، في تعامله مع الأزمة الحالية التي اختلقتها الدول الشقيقة، ذلك لأن مواقف دولة قطر ثابتة مبنية على القيم والمبادئ، لقد قام سعادته بجولات في عدد من الدول الكبرى شارحا الموقف بوضوح، كاشفا أن الدول الشقيقة ألقت باتهاماتها جزافا دون أن تقدم دليلا واحدا على صحة ادعاءاتها، استطاع بسهولة إقناع دول كبرى بسلامة موقف قطر، وتحييد الموقف الأميركي الذي اتخذ في البداية، بناء على ادعاءات الدول التي قاطعت وحاصرت قطر، ثم أخذ الموقف الأميركي نفسه يدعو إلى التهدئة وجلوس الأطراف على طاولة الحوار، هذا ما تدعمه دولة قطر، وتضغط باتجاهه الولايات المتحدة الأميركية، كما كشف للجميع عدم فعالية المنظمات الإقليمية والعربية والتزامها الصمت في الوقت الذي يجب فيه أن تتحدث وتعلن موقفها كمجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية.
من خلال الإعلام استطاع سعادة الوزير الشاب أن يقنع العالم بمغالطات ادعاءات واتهامات الدول الشقيقة لدولة قطر، قائلا: نحن على استعداد لتفهم هواجسهم إذا كانت لديهم افتراضات بأننا نتدخل في شؤونهم الداخلية، أو أن سياستنا بها تدخل في شؤونهم الداخلية أو تؤثر على أمنهم، ولو كانت هذه الافتراضات والادعاءات التي تصدر عن مسؤولين منهم صحيحة لبحثت على طاولة المفاوضات، لأن دولة قطر عضو فاعل في مجلس التعاون الخليجي وتدعم مسيرته، ولكن ادعاءاتهم باطلة ومثلما لهم الحق في توجيه الاتهامات نحن لنا الحق في الرد ومطالبتهم بتقديم إثباتات على صحة اتهاماتهم، ولكنها اتهامات باطلة، لأن دولة قطر تحترم القانون الدولي ولا تتدخل في شؤون الدول.
أيضا دحض سعادة الوزير الشاب ادعاء أن دولة قطر تدعم حماس بنفيه هذا، مؤكدا أن دولة قطر لا تتعامل مع أحزاب ولكن مع حكومات، قطر لا تدعم حماس ولكنها تدعم الشعب الفلسطيني والوفاق الوطني وتساعد في إعمار غزة بمبالغ معروفة وبناء على آليات دولية، أما الادعاء بوجود علاقة لها مع الإخوان المسلمين فهو ادعاء باطل.
واللافت للنظر أن لا أحد من المسؤولين في دول المقاطعة استطاع الرد على ما صرح به سعادة الوزير، لأنهم ببساطة لا يملكون أي دليل أو إثبات، فلم يكن أمامهم إلا التزام الصمت، وهكذا تواصل الدبلوماسية القطرية نجاحها والتمكين لمدرسة تقوم على الوضوح والصراحة والحكمة في التعامل مع الأزمات، وغيرت مسلمات كانت سائدة في عالم الدبلوماسية العربية منها أن هذه التحركات ترتبط بحجم الدولة أو مساحتها الجغرافية أو عدد سكانها أو موقعها الجيوسياسي، بينما أثبتت الدبلوماسية القطرية أنها ترتبط في حقيقة الأمر بعلاقات هذه الدول وثقلها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي وقدرتها على اتخاذ زمام المبادرات وعلى صياغة اتفاقات عملية وواقعية تزيل مخاوف أطراف العلاقة وتحفظ لهم مصالحهم التي تبدو متعارضة وحقوق كل منهم.
بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي