كتاب وأراء

قبل لوم التاريخ .. اسألوا عن صانعيه

يحضر التاريخ ويتزايد الحديث عنه كلما عصفت بالمجتمعات أزمة أو ريح سياسية عاصفة، يتحدث الناس عن التاريخ ومن سبقوا في سياقات يرجى منها لوم من قضوا، واحياناً الهروب من المسؤولية في مواجهة الواقع المتأزم الذي يتزايد تأزماً بفعل الكثير من الناس. استحضار التاريخ ليس منحصراً في مجتمع بعينه أو ثقافة بعينها، بل يكاد يكون ظاهرة عالمية وعابرة للقارات والثقافات.
في منطقة الشرق الاوسط بالتحديد يُستحضر التاريخ بشكل مكثف وذلك بسبب كثافة الازمات السياسية والتي لا تتوقف. فانطلاقاً من القضية الفلسطينية وكل آثارها التي لا زالت تظلل الفضاء العربي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مروراً بالقضية اللبنانية والاحتلال الاميركي للعراق في العام 2003 وحتى تفاعلات ما يُسمى الربيع العربي. كل ملفات يحضر فيها التاريخ بعمق يشكل وعي وطريقة تفكير قاعدة عريضة من الناس عند تناولهم لمثل تلك التطورات. وأخيرا في سياق الأزمة المستعرة في منطقة الخليج، يتحدث الكثيرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي تحليلاتهم وتعليقاتهم، في هذا الاستحضار تذكير بخلاف مضى أو عمل إيجابي أنهى ذلك الخلاف، وكذلك حرب كلامية كانت مستعرة وكيف تم ايقافها وتحولت الكلمات الجارحة إلى كلمات إطراء واعجاب ومودة. مثل هذا المنهج الذي يتبعه غالبية المتابعين يعكس أمرين هامين: الأول محاولة إلى الخروج من حالة القلق التي تلقي بثقلها الاحداث المتطورة يومياً، وبالتالي ومن خلال العودة للتاريخ يتلمس الناس الايجابيات التي يمكن أن تخرجهم من حالة القلق وتعزز الامل بأن ما يحدث ليس الا غيمة عابرة. الامر الثاني يتعلق بخطوة متقدمة ينشغل فيها الخاصة من الناس من خلال البحث عن السيناريوهات المحتملة للحل في ظل كل السياسات التاريخية التي يتم تداولها أو الحديث عنها. بالطبع مثل هذا الامر يفترض معرفة عميقة وشاملة بظروف ما حصل في الماضي وظروفه والعامل البشري القيادي الذي كان خلف ما جرى. بالطبع قد لا تعطي القراءة للتاريخ ما قد يتوقعه البعض حتى وان كان هناك إشارات تتشابه. في هذا السياق يجب الإشارة إلى ما أورده القران الكريم في هذا السياق، حيث تتكرر الاية الكريمة «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ? لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ? وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» مر تين في سورة البقرة وذلك في الآية 134 والآية 141، تكرار له من الدلالات الكثير وهو خارج تركيز هذه المقالة. المضمون الذي يمكن ان ينعكس في سياق هذه المقالة هو أن البشر هو الجوهر وأن إلقاء اللوم الجزاف على الماضي دون التركيز على البشر لا يؤدي إلى فهم ذلك الماضي، كما أنه لا يؤدي إلى التعلم من ذلك الماضي لمواجهة التحديات المتجددة التي تواجه الإنسان بغض النظر عن ثقافاتهم وجغرافيتهم.
إن الهروب إلى الماضي والتوسل اليه في مواجهة التحديات المتجددة يكاد يكون خطيئة كما هو الامر بالنسبة إلى الهرولة إلى المستقبل دون بناء الأسس الصحيحة التي يمكن أن يستند اليها ذلك المستقبل. من هنا يظهر جلياً مدى الحساسية التي تتزايد بالنسبة للتاريخ، كيف لا وهو أحد مكونات الذاكرة الجمعية للمجتمعات والتي تنساب عبر فضاءات الزمان والمكان بغض النظر رغبة أو عدم رغبة الإنسان في ذلك. إن القضية المحورية في التعامل مع التاريخ واستحضاره هي التوقف عن اللوم والانتقال إلى السؤال الأهم حول من صنع ذلك التاريخ وتحت أي ظروف؟.

بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري