كتاب وأراء

نكسات متواصلة لا نكسة واحدة

هل سنشهد نحن، البشر الذين يعيشون حاليا على هذه الرقعة البائسة من كوكب الأرض، على تغيرات جذرية، سياسية وديموغرافية، تحدث في الدول التي ننتمي لها وفي الدول المحيطة بنا؟ سؤال لا بد وأن يكون على واجهة الأسئلة المطروحة حاليا حول الأحداث السريعة والمتلاحقة والتي تكاد تحبس أنفاسنا مع كل خبر جديد تبثه وكالات الأنباء، العربية والعالمية.
ما الذي يحدث وما الذي أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه في بلادنا العربية؟ وكيف يمكن أن نصبح في الدرك الأسفل من الإنسانية بحيث يتم التلاعب بنا كما لو كنا أحجار شطرنج على رقعة يتبادل عليها اللاعبون؟ قد يفسر البعض بأن الطوفان الذي بدأ بعام 2011 مع ما كنا نسميه (الربيع العربي) قد جرف معه كل ما كان مختبئا في باطن المجتمعات والشعوب وأنظمتها.
وقد يكون كلام كهذا قريبا جدا من الصواب، ولكن السؤال الأهم هو؟ كيف اختزنت هذه الشعوب والمجتمعات كل هذا الغث الذي طفا على وجه العالم، بحيث لم يعد ثمة خبر دولي إلا ويرتبط ببلادنا؟ وما من مصيبة تحدث في العالم إلا ولبلادنا وشعوبنا حصة فيها؟ كيف وصلت أنظمتنا إلى هذه الدرجة من الإجرام والمقامرة بنا واعتبارنا مجردين من أية قيمة بحيث تقرر لنا ما تشاء وتمارس علينا كل ما يمكنها من الإجرام والعنف والتعسف والظلم؟ كيف استطعنا نحن وأباؤنا من قبلنا الصمت على كل هذا الذل؟.
كيف تواطأنا معها ومجدناها واعتبرنا أوطاننا لا تقوم لها قائمة إلا بوجودها؟، ربما أسئلة كهذه تستدعيها الذاكرة التي امتلأت بما تركته نكسة الخامس من يونيو التي تعود ذكراها الآن في المخزون الذهني العربي، فمنذ النكسة بدأ عصر الانحطاط الحقيقي لدى العرب، فالبروباغاندا الإعلامية التي مورست يومها على الشعوب لإيهامها بنصر مبين على العدو الإسرائيلي أصبحت هي التيمة التي تستخدمها الأنظمة العربية لتثبيت سلطتها، مستغلة الإحباط النفسي الكبير الذي منيت به هذه الشعوب لحظة اكتشاف الحقيقة وتعرية الوهم الذي أسموه انتصارا.
عاشت شعوبنا منذ ذلك الوقت انكفاءً وانكسارا ونكوصا نحو الماضي، عملت الأنظمة على تجذره أكثر عبر تحالفاتها مع المؤسسات الدينية الظلامية التي ادعت محاربتها مثلما ادعت محاربة إسرائيل والصهيونية العالمية، في الوقت نفسه الذي كانت فيه هذه الأنظمة تدعي العلمانية وتحيط نفسها بشعارات القومية العربية والقضية المركزية، على حساب الشعوب التي أفقرت وجهلت وأقصيت تماما عن العمل السياسي والمدني والفكري، بعد أن تم القضاء المبرم على كل ما تم إنجازه من مدنية قبل أن تبدأ موجة الانقلابات العسكرية التي سميت بالثورات التقدمية.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران