كتاب وأراء

هل تُصلح الشعوب ما أفسدته نُخبُها؟

أثبتت ثورات الغضب العربية معطى أساسيا يعتبر من بين أهم المعطيات التي كشفتها ثورات الجماهير وهو سلطة الشعب أو سلطة المجموعة النشطة داخل النظام الاستبدادي.

الشعب أو الجمهور أو الجماهير هي السلطة العليا التي تمكنت في لمح البصر من إسقاط رؤوس أنظمة استبدادية عتيدة راسخة في القمع والتسلط والجبروت. الثابت هو أن أخص خصائص هذه القدرة الخارقة هو طابعها الانفجاري غير المتوقع فقراءة ردود أفعال النظام خلال الفترة التي سبقت الانفجار الكبير في تونس أو في مصر أو في ليبيا... تشير إلى أن نظام الدولة الاستبدادية قد أغفل القدرة الهائلة لجموع المتظاهرين وإصرارهم على اسقاط النظام سلميا. من جهة أخرى وفي الطرف المقابل أثبت الربيع زيف النخب العربية وخاصة الايديولوجية منها بتياراتها المختلفة من قومية إلى يسارية إلى علمانية إلى لبرالية....

فهاته النخب التي استثمرت طويلا في المقاومة والتقدمية والعروبة والصراع الطبقي وكل الشعارات النظرية الجوفاء لم تنجح ولو نسبيا في اقتناص اللحظة التاريخية التي أنجزها الربيع العربي وحققتها الشعوب المسحوقة. بل إن الأخطر من كل ذلك هو أن تعتبر النُخب العربية الرسمية على اختلاف مشاربها سببا رئيسيا فيما وصل إليه حال الأمة والأوطان اليوم من تشرذم وفوضى وانتشار الاحتقان والطائفية والحروب الأهلية في كل مكان. ففشل المسار الانتقالي في جزء كبير منه بالنسبة للدول العربية التي سقطت فيها أنظمتها الاستبدادية إنما يعود إلى فشل النخب السياسية المحلية في التعامل مع الوضع الجديد وإنجاح المسار الانتقالي ومنع الانقلابات الدامية والحروب الأهلية التي أطاحت بأحلام الانتقال نحو دولة العدالة الاجتماعية والمساواة.

نحن اليوم إذن أمام مسارات جديدة تخص الأمة ومستقبل أجيال بكاملها وهي مسارات تستلزم البناء على ما أفرزه الربيع العربي من معطيات مستحدثة وهي معطيات تمثل ـ رغم ما يحف بها من الخراب والفوضى ـ الأرضيةَ التي عليها يتوجب بناء مشروع مستقبلي يحدد أدوار النخب من ناحية والقواعد الشعبية من ناحية أخرى. بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك نحو تحديد جديد لمفهوم النخب ولأدوارها التاريخية والحضارية بفصلها الضروري عن الأطر الايديولوجية التي أفقدت الأمة عقودا من الجهد ومن النضال المزيف.

أما أهم الأدوار التاريخية فيجب أن تضطلع بها الشعوب عبر إعادة تنظيم نفسها في أطر خلاقة وفعالة قادرة على مباشرة الاصلاح الاجتماعي والحضاري دون مرجعيات إيديولوجية أثبتت عقمها وعجزها بل وتحالفها مع الاستبداد ووكلائه في الداخل والخارج. إن المجتمع المنظم داخل أدوار حضارية وتنموية محددة بعيدا عن المغامرات الايديولوجية والساعي إلى تحقيق اكتفاء الإنسان وكرامته هو أفضل المجتمعات الممكنة. بل هو المجتمع الوحيد الذي يتحول فيه الفرد إلى عنصر فاعل قادر على البناء وعلى تجديد دوره الحضاري والتاريخي وهو دور يمكنه من أن يضع مجتمعه بمنأى عن الهزات والكوارث والانقسامات التي أصبحت تمزق أقطارا كثيرة داخل الوطن العربي.

بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد