كتاب وأراء

مع رسول الله «3»

بعد ان فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بناء المسجد، كأول لبنة في بناء الدولة الإسلامية، التي ستنطلق من المدينة المنورة، جاء الدور على الأساس الثاني للبناء.. فليس هناك أمة بلا توافق، ولا قوة بلا وحدة، والرسول يريد بناء أمة قوية، فلابد إذن من الوحدة، في صورتها البسيطة، تماشيا مع صغر مجتمع المدينة باعتباره نواة الأمة ونقطة انطلاقها.
اختار الرسول صلى الله عليه وسلم الإخاء الكامل بين المسلمين في المدينة، الإخاء الذي تمحى فيه كلمة.. أنا.. ويتحرك فيه الفرد بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كيانا دونها، ولا امتدادا إلا فيها.
يقول العلامة الغزالي رحمه الله في «فقه السيرة»: ومعنى هذا الإخاء ان تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية الا للإسلام.
وان تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه.
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الاخوة عقدا نافذا، لا لفظا فارغا، وعملا يرتبط بالدماء والأموال، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر.!
وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال.
والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والنقص والجبن والبخل والجشع، لا يمكن ان يصح إخاء، أو تترعرع محبة، ولولا ان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، جبلوا على شمائل نقية، واجتمعوا على مبادئ رضية، ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات الله. فسمو الغاية التي التقوا عليها وجلال الاسوة التي قادتهم اليها، نميا فيهم خلال الفضل والشرف، لم يدعا مكانا لنجوم خلة رديئة.
ويشدد الغزالي في كتابه، على أهمية شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تثبيت الاخاء فيقول.. ان محمد صلى الله عليه وسلم كان إنسانا، تجمع فيه ما تفرق فيه في عالم الإنسان كله من امجاد ومواهب وخيرات، فكان صورة لأعلى قمة من الكمال يمكن ان يبلغها بشر، فلا غرو اذ كان الذين قبسوا منه، وداروا في فلكه، رجالا يحيون بالنجدة والوفاء والسخاء.
لقد تبودلت الاخوة بين المسلمين الاوائل، لانهم ارتقوا من خلال الإسلام الحنيف، في نواحي حياتهم كلها، فكانوا عباد الله إخوانا، ولو كانوا عبيد انفسهم ما أبقى بعضهم على بعض.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى