كتاب وأراء

رحيل الكاتب خوان غويتيسولو.. تقليب المواجع الإسبانية


أيقظ رحيل خوان غويتيسولو الكاتب الإسباني الأشهر في العصر الحديث، ذاكرة سياسية لم تعد إسبانيا قادرة على التأقلم معه. المفارقة أن غويتيسولو رحل في مكان جعل الإسبان يلاحظون أن كاتبهم العظيم الذي كتب عشرات الكتب، فضل المنفى الاختياري بعد المنفى الإجباري، ودفن في مكان آخر يرهق الذاكرة الإسبانية ويقلب مواجعها.
أعاد رحيل غويتيسولو للذاكرة الإسبانية ما حدث مع «العرب في الأندلس» بسبب دفاعه المستميت عن الثقافة العربية، وكذا ذكريات مؤلمة للوجود الإسباني الاستعماري في شمال المغرب، ومرارات الحرب الأهلية الإسبانية وسنوات حكم فرانسيس فرانكو الطاحنة.
أكثر من ذلك الهجرة القسرية التي فرضت على النخب الإسبانية، من فيليبي غونثاليث الاشتراكي الذي قاد إسبانيا وهو بعد شاب في الأربعين... إلى غويتيسولو الذي فضل أن يعيش في قاع مراكش ويدفن في مدينة «العرائش» شمال المغرب، إلى جانب كاتب متمرد آخر هو الفرنسي جان جينيه.
وعلى الرغم من ما حمله رحيل غويتيسولو من ذكريات مزعجة للأسبان فإن ماريانو راخوي رئيس الحكومة الاسبانية، وصف غويتيسولو بانه «كاتب ومفكر كبير ترك بصمة لا يمكن إنكارها».
لم يكن غويتيسولو ماضياً فقط بل كان حاضراً أيضاً.إذ كان من أشد المدافعين عن الشعب الفلسطيني، كما دافع عن الشعب الجزائري في معركة الاستقلال، وشعب البوسنة والهرسك.أكثر من ذلك، كان من المدافعين عن «العرب» وخصص لهم رواية»عصافير تلوث أعشاشها».
ولد خوان غويتيسولو في أسرة محافظة في برشلونة عام 1931. كانت أسرته موالية للنظام الملكي، قتلت والدته وهو بعد في السابعة من عمره في «الحرب الأهلية الإسبانية «عندما قصفت الجنرال فرانسيس فرانكو مدينة برشلونة،. انتقل إلى المنفى في باريس عام 1956، وعمل في «دار غاليمراد» للترجمة. كان عمله قراءة ومراجعة النصوص الإسبانية ويقرر ما إذا كانت تصلح للنشر. تعرف هناك على كتاب فرنسا آنذاك، على غرار جان بول سارتر والبير كامو وجان جينيه.
انتقل للعيش في مراكش، وكان مولعاً «بساحة جامع الفنا» في المدينة المغربية، لذلك سيناضل طويلاً حتى تعترف اليونسكو بالساحة باعتبارها «تراثاً شفوياً عالمياً»
وعلى الرغم من تقدم سنه جال المنطقة العربية في فترة «الحراك العربي» عام 2010، وكتب سلسلة تحقيقات لصحيفة «البايس «الإسبانية.
عاش سنواته الأخيرة في منزل متواضع داخل «المدينة العتيقة» بمراكش، وكان يمضي لحظات الغروب يومياً في أحد مقاهي «ساحة جامع الفنا» حيث حلقات الحكواتية والرقصات الفلكلورية ومروضي القرود والثعابين. كان يدلف في المساء وحيداً إلى منزله عابراً تلك الأزقة الضيقة في مراكش القديمة، حيث عاش وحيداً مع كتبه، وسلحفاة هرمة تركها خلفه.
في حوار مع الكاتب والروائي المكسيكي كارلوس فوينتس يقول غويتيسولو «قلت سلفاً كل ما أرغب في قوله كتبت دائماً نصوصاً أدبية. لم أكتب من أجل أن أعيش، بل أنا أعيش من أجل أن أكتب. اعتدت أن أقرأ يومياً في حدود عشر ساعات، لكن نظري أجهد لذلك اكتفيت بأربع ساعات فقط يومياً».
كانت من أبرز مواقفه سياسية عندما نال جائزة سيرفانتيس للآداب، التي تعتبر أرفع جائزة إسبانية، يومها كال انتقادات ضد العولمة، منتقداً ظاهرة الحروب والظلم في العالم.
حاول خوان غويتيسولو تعلم العربية في باريس، لكن ذلك كان صعباً، وعندما استقر في طنجة في بداية الأمر قبل أن ينتقل إلى مراكش، كان الناس يتحدثون إليه بالإسبانية أو الفرنسية، وفي مراكش راح يتعلم العربية. مكان يتظاهر جهله بالفرنسية، وفي جامع الفنا ومع الحكواتية كان يلتقط العربية مثل شخص يلتقط قطعاً أثرية. رفض عروضاً للعودة إلى إسبانيا، إذ أعتقد أن «النزعة العنصرية» ما تزال لها بقايا. بقى كذلك إلى أن أغمض الموت عينيه الأحد الماضي في منزله بمراكش.
بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل